الجميع في لبنان يسلّم بأنّ السلامة الغذائية مهزوزة منذ زمن طويل، لكن خضّة اليوم سرقت الأضواء ولا تزال، لأنّ وزير الصحة وائل أبو فاعور هو أوّل وزير في الحكومة اللبنانية يخرج إلى الإعلام ويكشف فضيحة صحية مدّوية، لا بل يسّمي المؤسسات المخالفة. واللافت أنّ شظايا الفضيحة طاولت مؤسسات لها سمعتها في السوق.

منذ يوم الثلاثاء الماضي (11/11)، خضّ أبو فاعور الجسم اللبناني بكامله ومعه الإعلام والمؤسسات المقصودة، وأحدث حالة ارتباك، ليتضح المشهد في ما بعد، وتخرج النيات المبيّتة حتى لو على حساب صحة الناس.

في الساعات الأولى، لم يستطع الإعلام اللبناني التخندق إلى جانب الناس وصحّتهم المهددة، بل سرعان ما كشف بعضهم عن تأييده لأصحاب المصالح الاقتصادية، وبدأ حملة تشكيك واسعة بحملة وزير الصحة، فيما أبقى آخرون أيديهم على الزناد ودعموا أبو فاعور وصحة المواطن.
حملة «السلامة الغذائية» وتغطيتها الإعلامية، تحوّلت على مدى الأسبوع المنصرم من معركة صحية تطاول شرائح المجتمع بكامله، إلى حلبة صراع وتناتش على السبق الصحافي. أخذت كل قناة تنسب إلى نفسها ريادة فتح الملف الصحي في برامجها، كما فعلت «الجديد» عشية إعلان الموضوع. فقد أوردت مقدمة نشرة أخبارها المسائية أنّ المحطة هي أوّل من «فتحت مطابخ المطاعم، وكانت تومئ إلى الدولة بوجوب الحراك السريع»، بينما كان برنامج «كلام الناس» الثلاثاء الماضي (21:30 على lbci) ينسب الفضل لنفسه منذ عام 2010. عدا ذلك، تبارت القنوات في ما بينها على استضافة أبو فاعور، بل عملت جاهدة على أن يكشف الأخير لوائح جديدة عبرها للمرّة الأولى.

تعاملت «المنار» و«المستقبل» ببرودة مع الملف


«الجديد» وlbci وفقتا في صف وائل أبو فاعور

شوائب كثيرة اعترت التغطية الإعلامية المحلية، وتنوّعت بين برودة واضحة في التعاطي مع الملف الصحي كما ظهر على «المنار» و«المستقبل»، وسخونة برزت عند «الجديد» وlbci. الأخيرتان استمرتا في المعركة إلى جانب وزارة الصحة في حين ظهر تغيير واضح في السياسة التحريرية لبعض القنوات مثلما حدث مع mtv التي دعمت بدايةً الحملة، لكن سرعان ما بدأت حملة مضادة مشككة تحت عناوين فضفاضة، لكن كان جميعها يصبّ لمصلحة جيوب أصحاب المطاعم والمصالح المتضرّرة. وتظهر هذا الأمر في نشرتها الإخبارية يوم الخميس الماضي، فانتقدت «الشكل العلني» الذي تجسّد بـ«التشهير بمؤسسات لها سمعتها المحترمة والعريقة في لبنان»، ما «تسبب بأضرار بالغة في قطاعي السياحة والاستهلاك الغذائي»!.
هذا في النشرات الإخبارية، أما في برامج الـ«توك شو» السياسي، فحدّث ولا حرج. كما ذكرنا آنفاً، فإنّ التنافس وصل إلى أوجه مع استضافة أبو فاعور وأخذ حصرية إعلان النتائج، كما حصل في «كلام الناس» ضمن حلقة استثنائية أعلن فيها مارسيل غانم إقفال مسلخ بيروت. على هذا المنوال، سار برنامج Inter-Views على «المستقبل» يوم الأربعاء الماضي، مع إعلان لائحة جديدة بالمخالفين. ويُسجّل هنا أداء غير متوازن لبولا يعقوبيان ضمن طرحها للإشكاليات التي أفرزتها الفضيحة الصحية، خصوصاً أنّها رجّحت الكفّة لصالح أصحاب المصالح والمطاعم والفنادق، بما أنّ قضية الفساد الغذائي «عمرها سنوات»، ولم تذهب ضحيّتها «أعداد هائلة»، معتبرة أنّه كان الأجدى بوزير الصحة عدم «تشويه سمعة البلد، وتهديد العديد من الموظفين بالتسريح».
أن تلعب دور محامي الشيطان مطلوب في الإعلام، لكن أن تفتح المنابر للترويج من دون تأمين أي مساحة نقدية، هنا تكمن الطامة الكبرى. وهذا ما فعله طوني خليفة في برنامجه «طوني خليفة 1544» على mtv عندما فتح هواء الاستديو للقائمين على مطعم «شاي وعسل» في طرابلس، ليعرضوا شريطاً يفيد بأنّ «المراقبة الصحية التي أخذت عيّنة اللحمة مارست مهمتها بطريقة غير سليمة».
هكذا، ظهر هؤلاء بمظهر الضحايا والحق كل الحق على وزارة الصحة، وسوء نقلها وتعاملها مع العينات. ولم يتخذ خليفة أية مساحة نقدية من الموضوع، أو يشكك بصدقية الشريط، كما أنّه لم يقف عند رأي أي من المعنيين في الوزارة أو غيرها من المؤسسات المعنية.