«من يزرع يحصد». هذه العبارة متعارفٌ عليها ضمن نطاق واسع على صعيد الأندية في كرة القدم العالمية، وهي ترتبط تحديداً بالعمل في مجال الأكاديميات الكروية التي تريحها مستقبلاً من عناء البحث عن اللاعبين المميزين لتعزيز صفوفها.

استثمار عددٍ من الأندية في الصغار كان سرّ نجاحها التاريخي، إن كان على الصعيد المحلي أو القاري أو العالمي، والأمثلة كثيرة على هذه المقولة. وطبعاً هذا الأمر يعود إلى نظامٍ علمي وضعته هذه الأندية، يبدأ من اكتشاف أصحاب الموهبة الحقيقية، ويمرّ بتخصيص المدربين المثاليين لهم، وينتهي باختيار الوقت المناسب لوضعهم تحت ضغط الأضواء.

اليوم، كوكبة من نجوم العالم تخرجوا من أكاديميات شهيرة، على رأسهم الأرجنتيني ليونيل ميسي، والبرتغالي كريستيانو رونالدو، والإنكليزي واين روني، الذين لا جدال في قدراتهم الخارقة.
ببساطة، هناك أندية متخصصة في اكتشاف المواهب وصقلها، وهي ليست بالضرورة أكاديميات تابعة لأندية، لكنها سارت في النهج الاحترافي منذ تأسيسها، مثل أكاديمية «Right to Dream» الذائعة الصيت، التي تعدّ منجماً لاستخراج المواهب الغانية التي تتوزع حول العالم كل سنة.
لكن تبقى «لا ماسيا» الأكاديمية الأشهر في العصر الحديث للعبة. كيف لا وهي التي خرّجت ميسي وشافي هرنانديز وأندريس إينييستا وكارليس بويول وغيرهم من الجيل الذهبي لفريق برشلونة الإسباني الذي حَكَم العالم لفترة طويلة. وهذه الأكاديمية التي لا تستقبل أكثر من 300 لاعب، هي بمثابة المنزل والمدرسة والملعب بالنسبة إلى طلابها الذين يتلقون كل تعاليمهم هناك، والأهم الأصول الكروية. هم يعيشون معاً أيضاً حتى إذا ما وصلوا إلى الفريق الأول تكون اللُّحمة بينهم قد نضجت منذ زمنٍ طويل.
ويمكن اعتبار أن فكرة «لا ماسيا» استنسخت من أكاديمية تاريخية تعدّ بمثابة النبع الذي لا ينضب على صعيد تقديم المواهب. وهنا المقصود أن الهولندي يوهان كرويف الذي كان قد أوعز بإنشاء أكاديمية في «البرسا»، عرف منذ السبعينيات بأن قوة ناديه أياكس أمستردام كانت من خلال تفريخ النجوم، في تقليدٍ لا يزال سارياً حتى يومنا هذا.
ويروي أحد الأفلام الوثائقية عن أكاديمية أياكس كيف يتقاطر الأهالي إلى النادي لتسجيل أطفالهم في الأكاديمية فور ولادتهم، حيث يطلب منهم المسؤول وضع كرة تحت أقدام الطفل المستلقي في سريره الصغير، وذلك حتى يكون أول شيء يألفه نظره هو تلك المستديرة، فيخلق معها علاقة وطيدة حتى قبل أن يتمكن من لمسها أو ركلها.
وليس بعيداً من هولندا، فإن بايرن ميونيخ الألماني الذي يحمل فلسفة خاصة لأكاديمية أكثر من ناجحة. هناك في ملاعبه يخصّص 3 ملايين يورو سنوياً لكي يعتني 40 مدرباً بـ 180 ناشئاً، حيث التركيز على تقويتهم ذهنياً وبدنياً قبل حملهم إلى الفريق الأول. وهدف الإدارة بالفوز بدوري الأبطال في ظل وجود أكبر عددٍ من متخرجي الأكاديمية ضمن الفريق تحقق قبل موسمين عندما حمل فيليب لام وطوني كروس ودافيد ألابا وتوماس مولر وباستيان شفاينشتايغر ورفاقهم الكأس صاحبة الأذنين الطويلتين.
أكاديمية أخرى عريقة كانت قد سبقت بايرن إلى هذا الإنجاز، وهي تخصّ مانشستر يونايتد الإنكليزي، الذي قدّم جيلاً ذهبياً في التسعينيات بفضل مجموعة الكشافين الذين وظّفهم «السير» الاسكوتلندي اليكس فيرغيسون ليخطف الصغار من كل حدبٍ وصوب ويحوّلهم إلى نجوم تاريخيين، أمثال راين غيغز وديفيد بيكام وغاري وفيل نيفيل ونيكي بات وبول سكولز.
وبعيداً من إنكلترا حيث يبرع ساوثمبتون حالياً في هذا المجال، أصابت أكاديميات أخرى نجاحاً واسعاً في هذا المجال، لعل أشهرها سانتوس التي خرّجت الملك بيليه، وسبورتينغ لشبونة التي خلقت رونالدو، وأرسنال الشهيرة بسرقة المواهب الاستثنائية.