يعود مصطلح «أكاديمية» الى عهد أفلاطون حين أسس مدرسة فلسفية عام 387 ق.م في بساتين «أكاديمس» في اليونان لتدريس الفلسفة والرياضيات. ثم أطلق اسم «أكاديمية» على بعض المجامع العلمية والمعاهد الأدبية، كما تطلق على الجامعة والكلية. هذ المصطلح لم يعد حكراً على طلب العلم، بل انتقل الى كرة القدم، فأصبحت هناك الأكاديميات الكروية الموجودة على جميع الأراضي اللبنانية. معظمها تجاري لكسب الربح وهذا حقٌ مشروع، وبعضها لاكتشاف المواهب من دون إغفال الجانب الربحي.


لماذا نشأت الأكاديميات؟

تعاني الكرة اللبنانية من تراجع المواهب والنجوم، وقد يكون لهذه المشكلة أسباب عديدة منها عدم الاهتمام بالفئات العمرية، فقدمت الأكاديميات الكروية نفسها كتعويض للنقص الحاصل وبعدم اهتمام الأندية الكروية بالفئات السنّية.
دايفيد ناكيد لاعب دولي سابق من ترينيداد وتوباغو. عرفه الجمهور اللبناني حين ارتدى قميص الأنصار في فترة التسعينيات. البعض يعتبره من أفضل اللاعبين الأجانب الذين مروا على لبنان. لكن مرور ناكيد لم يكن لفترة عقده مع الأنصار أو أي فريق آخر، فهو وجد في لبنان مكاناً لتكوين عائلة... ولم لا عملاً خاصاً أيضاً. فكرة انشاء أكاديمية بدأت عام 1995 حين أقام أول معسكر كروي لمدة ثلاثة أسابيع على ملعب الجامعة العربية. لكن «أكاديمية دايفيد ناكيد» أبصرت النور بعد حرب تموز 2006. «الهدف كان رفع مستوى كرة القدم في لبنان والاهتمام بالفئات العمرية من جهة، والأهم هو جعل كرة القدم متاحة لجميع الفئات، الفقيرة منها والمتوسطة والغنية. فهناك اعتقاد أن كرة القدم هي فقط للفقراء، وهذا ممكن في بلد يضم عشرات أو مئات الملايين كالبرازيل بحيث تكون الطبقة الفقيرة قادرة على تقديم العدد المطلوب من المواهب. لكن في بلد مثل لبنان لا يتجاوز عدد سكانه الخمسة ملايين نسمة لا بد من إشراك جميع الفئات في مزاولة كرة القدم».

يترواح البدل المادي الشهري مقابل كل لاعب بين 85 و120 دولاراً بحسب عدد الحصص التدريبية


أسباب ناكيد تتوافق في جزء منها مع الدوافع الرئيسية التي كانت وراء تأسيس أكاديمية «أتليتيكو» في الضبية. رئيس النادي روبير باولي مع صديقيه رينيه متى وأندريه صهيوني توصلوا الى قناعة بضرورة إنشاء أكاديمية كروية «كرمال أولادنا يلعبوا فوتبول في بيئة صحيحة»، يقول باولي لـ «الأخبار». الفكرة بدأت قبل ست سنوات حين أراد باولي (الذي يسكن في منطقة الرابية) أن يمارس ابنه فيليب كرة القدم التي يعشقها، ونظراً إلى غياب الفرق عن تلك المنطقة كان التوجه نحو بيروت وتحديداً لناديي الراسينغ والحكمة الأقرب مناطقياً. «للأسف وجدنا أن الراسينغ لا يملك أكاديمية للصغار في حين أن الحكمة لا يستقبل لاعبين دون الـ 14 سنة، وهو عمر متأخر لتعلّم كرة القدم. توجهنا نحو أندية أخرى كالنجمة وغيرها لكن أيضاً وجدنا عدم وجود اهتمام بالفئات، فكان القرار بتأسيس أكاديمية بأنفسنا، ويا ليتنا لم نفعل». أكاديمية ثالثة تعتبر مرموقة في لبنان وهي «بيروت فوتبول أكاديمي» أسسها زياد سعادة قبل 11 سنة وتحديداً في شباط عام 2004 وبالتالي يعتبر أنها الأكاديمة الأقدم في لبنان. سعادة كان لاعباً في الراسينغ ووجد أن معظم النوادي لا تهتم بالفئات العمرية وبالتالي لا يمكن لهواة كرة القدم سوى ممارستها إما في المدراس أو الأندية. «في الأولى لا تُمارس كرة القدم بطريقة صحيحة، إذ غالباً ما تكون القصة عبارة عن تقديم كرة للتلاميذ الذين يلعبون لوحدهم. أما في الأندية فالاهتمام غائب وبالتالي لم يكن هناك حلٌ سوى تأسيس الأكاديمية التي تضم لاعبين من عمر 6 سنوات وحتى 17 عاماً».

غياب مفهوم «مجاناً»

لا ينكر سعادة أن الأكاديمية بالنسبة له تعتبر «بيزنس»، كونها لا تنتمي الى أية جهة سياسية أو رياضية معينة وبالتالي فهي تعتاش من اشتراكات اللاعبين (حوالى
الـ 600 لاعب) التي تتراوح بين الـ 85 دولاراً شهرياً للاعب مقابل حصتين تدريبيتين أسبوعياً، وبين 110 دولارات مقابل ثلاث حصص في الأسبوع. لكن هذا لا يعني أن المفهوم التجاري للفكرة يطغى على الجانب الفني الصحيح فيها. فهناك اهتمام بنوعية المدربين الذي يعلمون الأولاد ومنهم على سبيل المثال اللاعب الشهير كيفورك قره بيتيان.
الأمر ينسحب على أكاديمية دايفيد ناكيد التي تضم الى جانبه مدربين كان لهم تاريخهم في الملاعب اللبنانية كشيخ الحراس عبد الرحمن شبارو ونبيه الجردي وخليل حمودة وطبعاً ناكيد نفسه. أما بالنسبة للكلفة المادية فهي تتشابه أيضاً حيث يتقاضى ناكيد مبلغ 120 دولاراً مقابل ثلاث الى اربع حصص في الأسبوع.
في الضبية ايضاً يشرف على أكاديمية أتليتكيو، التي تضم حوالى الـ 900 لاعب، مدربون معروفون وعلى رأسهم المدير الفني ثيو بوكير اضافة الى التوأمة الحاصلة بين أتليتيكو ونادي ليون الفرنسي مع ما يعني ذلك من تبادل للخبرات. أما على الصعيد المادي فتتراوح التعرفة بين 90 دولاراً مقابل تمرينين في الأسبوع وبين 120 دولاراً مقابل 4 تمرينات أسبوعياً. لكن المدربين الثلاث يؤكدون أن هناك لاعبين كثيرين ينتمون الى الأكاديمية بشكل مجاني، إما بسبب ظروفهم المادية الصعبة أو بسبب تميّزهم ومستواهم الفني الرفيع. فناكيد يشير الى أنه تولى مصاريف سفر 22 لاعباً الى دورة برشلونة بكلفة 50 ألف دولار.

ما هي الفائدة وماذا يريدون من المسؤولين عن اللعبة؟

يعتبر ناكيد وباولي وسعادة أن كرة القدم اللبنانية استفادت من وجود الأكاديميات وقادرة على الاستفادة بشكل أكبر في حال كانت هناك نية لذلك. فالأكاديمات الثلاث تشارك في دورات خارجية وتحقق نتائج لافتة ومنها على سبيل المثال حين أحرز أكاديمية دايفيد ناكيد لقب دورة «ويلش» عام 2013 في انكلترا، وتعادل الفريق لفئة 2001 مع برشلونة 1 - 1 عام 2014 ضمن دورة المتوسط وحينها نقلت المباراة على تلفزيون نادي برشلونة وكان الجميع يتحدث عن لبنان ومدى تطوره في كرة القدم.
أما بالنسبة للمطلوب فبالنسبة لرؤساء الأكاديميات الثلاث الأهم هو اهتمام اتحاد كرة القدم بالفئات العمرية ووضع خطة واضحة لهذه الشريحة الكروية وإقامة دوري للأكاديميات. فباولي يطلق صرخة لضرورة اعادة النظر بقرر منع فرق الدرجة الرابعة من الاشتراك في بطولات الفئات العمرية. فأتليتيكو حصل على رخصة فريق درجة رابعة كي يشرك لاعبيه في بطولات الفئات العمرية، لكنه الآن أصبح يحتاج الى إشراك لاعبيه مع فرق أخرى، ولعل هذا من الأسباب التي دفعت باولي للندم على تأسيس أكاديمية فهو يشعر أنه يعمل وحيداً ولا أحد يساعده بل على العكس تتم عرقلة أي جهد لتطوير كرة القدم في لبنان.