كثيرة هي المرات التي تشعر فيها بتقصير في الوطنية. في كل مرة ترى فيها صورة شهيد، في كل مرة تسمع فيها أحدهم يشتم بلادك ولا تستطيع الوصول إليه للردّ، وفي كل مرة تُحجم عن الردّ لسببٍ أو لآخر.

وكثيرون كانوا أمام اختبارٍ للوطنية في رياضتنا اللبنانية، بعضهم عَبَر بنجاح، والبعض الآخر أصرّ على تأكيد ارتباطه بالوطن أيّاً كانت المراتب التي بلغها في الخارج، وأيّاً كان فضل البلاد التي نشأ فيها عليه، وأيّاً كانت الإغراءات التي تشدّه باتجاهها.
هم يعشقون ذاك الشعور الذي تقشعر له الأبدان عند سماع أجمل موسيقى وأجمل كلمات تختصر النشيد الوطني اللبناني.

رضا عنتر اختُبر أكثر من مرة على هذا الصعيد. في مرحلة أولى عشية انطلاق المشوار الذي لا يُنسى لمنتخب لبنان لكرة القدم في تصفيات كأس العالم 2014، إذ حضر إلى بيروت متمسكاً بخيط أملٍ للعب ضد بنغلادش، وغاضباً بسبب ما اعتبره وقتذاك «لعبة» لعدم قيده في اللوائح بحجة عدم وصول نسخة عن جواز سفره في البريد الإلكتروني. وعنتر نفسه لبّى النداء في مرحلةٍ ثانية وعاد لقيادة منتخب الوطن، رغم الخيبة الكبيرة التي عاشها وأثّرت في نفسه بعد انتقادات طاولته وكانت أحد أسباب اعتزاله.
يوسف محمد عَبَر هذا الاختبار لاشعورياً مع طغيان الشعور بالوطنية على ما عداه، متعالياً على «النفي» الذي عاشه لسنواتٍ، فلم يتخلّف عن الالتحاق بالمنتخب.
اللائحة تطول للاعبين آخرين لم يتأخروا عن ترك بلاد الاغتراب التي عرفوا فيها خطواتهم الأولى، وحيث كانوا أمام فرصةٍ افضل ربما. وبغض النظر عن نجاحاتهم مع «رجال الأرز» من عدمها، فإنهم باختصارهم للمسافات الطويلة التي قطعوها اختصروا معنى الوطنية في الدفاع عن ألوان الوطن كلٌّ على طريقته.
كذلك، هناك لائحة لأسماء جلبت المجد إلى لبنان في رياضات أخرى، كان آخرها للبرازيلي المولد ناصيف الياس، الذي أدار ظهره للبلاد التي صقلت موهبته ومثّلها وزيّن عنقه بميداليات تحت راية علمها، لكن شعوره بالوطنية كان مغايراً عند سماعه النشيد الوطني اللبناني فشرع في تمثيل بلاد الأرز.
منذ عامين تقريباً، وُضع رجل آخر تحت الاختبار. جوليان خزوع، الذي هزّت قضيته يوماً البلاد وشغلت عدداً من السياسيين، وجد نفسه أمام سؤالٍ دائم: هل ستمثّل منتخب لبنان لكرة السلة؟ تهرّب الرجل من السؤال دائماً، تماماً كما لقي مخرجاً في لقائه الأخير مع أركان الاتحاد اللبناني، طالباً وقتاً للتفكير قبل اتخاذ قراره النهائي.
قد يكون طموح خزوع مشروعاً بسعيه إلى تمثيل منتخب أوستراليا، لكن الواقع الأوسترالي يقول كلاماً آخر، حيث لا مكان له في تشكيلة منتخب يضم أسماءً كبيرة في مركز لاعب الارتكاز. كذلك فإن واقع الشارع السلوي لا يلتقي أبداً مع توجهات خزوع، إذ إن «الحركة الوطنية» التي نشطت لتبييض سجلّه وإبعاد الإيقاف والمحاكمة عنه بعدما لعب في إسرائيل، لم يعرفها أي رياضي آخر.
خزوع مدين للبنان، ولو أن البعض يرى أن ذهابه للعب في إسرائيل بجنسيته الأوسترالية، كان مجرد نقلة رياضية احترافية فعلها من دون حسابات لما قد ترتبه عليه مستقبلاً. لكن بعد تحوّل قضيته إلى مسألة وطنية ودخول ممثلي الشعب من نواب ووزراء ينتمون إلى أحزابٍ مختلفة، في ترتيبات يبرعون بها لضمان لعبه مع فريق الحكمة، بات هو أيضاً أمام مساءلة وطنية لتقديم قدراته إلى بلادٍ احتضنته رغم ارتكابه ما يعدّ جريمة لو فعلها أي لبناني آخر.
هو يفكر اليوم في الجواب الأخير. الجواب الذي على أساسه سيحدد نجاحه من عدمه في اختبار الوطنية. لكن بماذا يفكر؟
الوطنية ليست خِياراً. الوطنية واجب مفروض، ومرفوض المساومة عليه أو حتى التفكير فيه.