«كنت مفكر الحصار فاصل بيناتنا برزخ، المسافة صعبة وشفتي الانتظار برضو أوسخ، عايش بفيلم رعب قصتو بمسلخ، قد ما تقولي عني زنخ ريحة الجثث أزنخ» (مقطع من القصيدة 15 ـ مخيم اليرموك المحاصر)

■ ■ ■

لم يعد يملك إلا صوته. لا طعام ولا شراب ولا نوم ولا كهرباء... ولا شيء. الصوت فقط، يستعين به ليخبر عن الوجع الذي هناك، في أزقة ما كان اسمه مخيم اليرموك، حيث عاش عمره. قبل أن يفقد كل تلك الأشياء، كان رائد غنيم ـ أو «جلجامش» كما صار يعرف الآن، يملك حبه للموسيقى التي بدأت مع الراب العربي عام 2008. تلك التي صارت ولعاً. يركّبها كما يحلو لمزاجه «كإبن مخيّم». في بداية الأمر، كان الأمر مسلياً...

«كنت أوظف الموسيقى لإلقاء الضوء على مشاكل اللاجئين الفلسطينيين وشباب المخيمات، وقد كانت محاولاتي بسيطة ولا تذكر»... حتى باغتت الحرب أبناء المخيم، فصار الموت أرعن. فقد جلجامش كل شيء، إلا حبه للموسيقى. كان حباً يتيماً، فالحرب التي حلت دفعة واحدة في أزقة مخيمه لم تبق على شيء «كنت محروماً من المواد التي تخدم الموسيقى»، مثل الاستديو وأدوات التسجيل وأدوات الكيبورد والإيقاع وغيرها، ومع ذلك كنت أريد أن أعبر عن وجعي، فلجأت إلى نظام الـ «Spoken Word»، مستغنياً عن الإيقاع، وقد استخدمت للتسجيل جهاز الموبايل، حيث كنت أسجل عليه الصوت وأحاول نشره على موقع يوتيوب. فعل ذلك في قلب الحصار: «كنت أسجل فيديو وأنا ألقي كلماتي من دون موسيقى وأنشرها، فعندما تكون محاصراً ومعاناتك تكبر يوماً بعد يوم، يصبح همك أن تكتب لتوصل للعالم وجعك. أن تخبرهم مثلاً أنك جعت»، يقول جلجامش، الذي أنتج قبل خروجه من المخيم فيديو بعنوان «القصيدة 15».

■ ■ ■


«وجهك احلى بلا قصف، عن القصف فصار كائن بشري حي، القذائف بتحب البيوت ولحم البشر نيّ، الميّ غايبة متلك، ولتيجي بالقطارة، حلقي جاف. ست شهور تجويع والهدنة لشعب مات، وإسا المقبرة بتكبر وشلنا المنصة. ماعاد في خطابات استني في غصة!». (مقطع من «القصيدة 15»)

■ ■ ■


كتب جلجامش القصيدة رقم 15 وهجر اليرموك. لجأ إلى لبنان، وبدأ بطرح السؤال: «شو بعدين؟». في فترة انتظاره،
بالنسبة لوتر تغير المحيط وصار يلعب دوراً بطريقة إنتاج الموسيقى وطريقة الكتابة وطرح الأفكار وتقبّلها من المجتمع
التقى في بيروت عدداً من مغني الراب، ومنهم من كان على تواصل معهم داخل المخيم. عاد شغفه للموسيقى، وها هو اليوم يحضر لعمل موسيقي يحكي فيه قصة اللاجئين «أولئك الذين يهانون في البلاد التي يلجأون إليها، وأولئك الذين يبتلعهم البحر بعد أن تغرق بهم مراكب التهريب غير الشرعية».

■ ■ ■


«وتر» لموسيقى أفضل. «وتر» لصلة وصل متينة بين العضل وأعضاء الجسد ـ أو أعضاء الوطن ـ «وتر» عزف لحنا من ساروجة (الشام) إلى بيروت، هرباً من موت حصد الرفاق ولم يحصده هو. «وتر» هو نفسه خيري إيبش الذي وصل إلى بيروت لاجئاً من الوجع أيضاً.
قبل أن يصبح لاجئاً، كان وتر إبن فرقة «لتلتة» السورية. عاش تحت القصف شهوراً، قبل أن يفرّ هارباً من موت محتم. في تلك الفترة التي قضاها معتصماً في الأستديو، كان يستلهم أغانيه من أصوات القذائف، من الذل الذي يواجهه على حواجز الأمن «ومن تجارب شخصية مرّرت بها ترتبط بشكل أو بآخر بالثورة».

■ ■ ■


(مسطح عم أصفن بنص الشارع، حدا شفلي جوزة حلقي؟ وعطرف الرصيف مريح نص أحشائي برا بطني، وفي آرمة جنبي مكتوب عليها، انتبه شهيد أفشخ من فوقي. السيارة المرمية ورايي سودة بتزكرها زرقا معقول في مايكرويف يسعها!!). (مقطع من أغنية «بوم بوم بام»)

■ ■ ■


الآن في بيروت، صار يكتب عن رأيه ونظرته للأمور «لقد تغير كل شيء، إن كان كبيئة اجتماعية أو سياسية أو حتى عمل أو موسيقى، فقد فتحت أمامي أبواب كثيرة، كالمسرح الموفّر للموسيقى الذي لا يشبه المسرح في سوريا، فهنا توجد ثقافة موسيقية أوسع»، يقول وتر، في معرض حديثه عن التغييرات التي طرأت على أعماله الموسيقية بعد خروجه من «استديو» سوريا إلى بيروت. رغم ذلك، ما تزال الصورة ضبابية بالنسبة لوتر، فتغير المحيط وصار يلعب دوراً بطريقة إنتاج الموسيقى وطريقة الكتابة وطرح الأفكار وتقبّلها من المجتمع «وحتى هذه اللحظة لا أظن أن هناك مساحة كافية تسمح لنا بقول ما نريد، لا تزال هناك عوائق وحواجز تحتاج لمدة كافية لتلغى من على الأرض».

■ ■ ■


«وقفت ع رجليي حاسس بخفة بالجسد، شايف أشلائي قدامي وتاريني غادرت الجسد، ليكو جاري جنبي رايح بالنص، كل شقفة منو بمكان من الشارع المشقوق بالنص، وجنبو مرتي ساكتة، لسا ما لحقتني عم بتنازع، قعدت ونطرت يلحقوني بقية سكان الشارع». (مقطع من أغنية «بوم بوم بام»)

■ ■ ■


«بيروت تعلّم الجميع». لها طرقها الخاصة، مع ذلك تستطيع أن ترى وجهين لها: الوجه الذي يقول لك إنك أفضل من كثيرين غيرك، وآخر يقول لك: عليك أن تكون أفضل. «خبرتي زادت من ناحية عملي بالموسيقى، وتعاملي مع مختلف الجنسيات التي كان وجودها قليلاً، وغير ملحوظ، في سوريا، كعملي مع موسيقيين من مصر والأردن وبيروت وغيرها»، يقول وتر. ويختتم عن بيروت أيضاً: «هنا تتكلم بحرية، على عكس سوريا، ولكن تحتاج إلى من يسمعك».