عند المرور بالقرب من «رام»، تحديداً بعد الساعة العاشرة ليلاً، لا يسعك إلا أن تُلقي نظرةً متمعنةً لما يحصل في الداخل. هناك ستجدُ مجموعةً من الشباب: (موسيقيون، مغنّون، ممثلون، ومخرجون) الكلّ مجتمعون ــ كعادتهم يوميّاً ــ مضيفين نكهة إلى شارع الحمرا بما يمكن للفن إضافته من مشاعر، ربّما، والأهم هو التنوع، ستستغرب الرّوح في الداخل.


هؤلاء، الفنانون، الذين أراد لهم العالم أن يكونوا مغمورين، يفترض أنهم ضحايا يأسٍ يستفحل، نتيجة المأساة المتواصلة التي اجتاحت بلادهم.
بيد أنك لا تلبث أن تدرك أن في تفاعل الآلات، وأصوات الحاضرين، وقرقعات كؤوسهم، مجتمعين ضمن هذا المربع الحجري البسيط، شيء ما. شيء يحيي الجماد، شيء ندعوه «أمل».
(نوارة رحموني)




خيار شخصي


«أنا موسيقي ولست صاحب حانة». يقول هذا بلكنة محببة، تمتزج فيها معالم الشاميّة بالفلسطينيّة. نشأ محمد في دمشق، ووفد إلى بيروت في أيلول 2013، مفضلاً إياها على كندا. لا يعني ذلك أنه لا يحبّ الحانة التي يديرها، على العكس تماماً، كانت مشروعاً وأصبحت واقعاً يوميّاً جامعاً. في مراهقته تلقى دروساً خاصة للعزف على الغيتار، لكنه سرعان ما فتنه التأليف، واستهواه من أصناف الموسيقى الـ (Heavy metal). يؤكد هنا، أن لهذا النوع جمهوراً عريضاً في الشام وفي بيروت، على عكس الشائع. وهو، رغم إقامته منذ عام تقريباً في بيروت، بدأ يكتشف ذلك في الأسبوع الماضي فقط. تبدو عليه السعادة عندما يؤكد أنه عاد أخيراً إلى التأليف الموسيقي، واستلم مشروعاً لإعداد الموسيقى التصويريّة لفيلم قيد التصوير. برأيه، الموسيقى خيار شخصي، العالم التي تهتم بالفنون، لا تهتم بالهويّات، الهويّات قاتلة.
(محمد صيام ــ فلسطين)


الأكثر شغفاً


تعلم العزف على البيانو بلا معلّم. «جهد شخصي» كما يسمّيه إيلي، ابتداءً منذ كان في الثانيّة عشرة من عمره، حيث تدرّج شغفه بالمسرح أيضاً. درس الاقتصاد ليجد عملاً، لكنه في الأساس، كان مداوماً بالمركز الثقافي في حلب، وهناك أخرج، أو مثّل أول مسرحيّة، على مسرح مار جرجيوس، في منطقة السليمانيّة. وفي العشرين، بدأت الثورة، تزامناً مع قبوله في المعهد العالي للفنون المسرحيّة بدمشق. وفي منتصف 2011، لم يعد قادراً على الذهاب إلى العاصمة، وبعد قصف جامعة حلب، فُقدت أوراقه. تعثرت دراسته، والأصح «انتهت»، كما يقول. فجاء إلى بيروت كيلا تطاله الخدمة العسكريّة. وهنا، اكتشف إيلي أن السوريين أكثر شغفاً من اللبنانيين في الفنون، رغم هامش الحريّة الواسع في «وطن النجوم». أدّى دوراً يتيماً على مسرح المدينة، ويسجّل الآن أغنية اسمها «الحب في زمن الحرب»، يبحث لها عن «سبونسور» في كومة قش. لاحظ إيلي غياب النقد المسرحي الكافي في لبنان، وضعف المعالجات، على عكس سوريا التي «لم يبق بها شيء أعود إليه». «اللبنانيّون أكثر جرأة، والسوريون أكثر شغفاً»، يرى أن هذا شرح عادل لواقع المسرح في البلدين.
(إيلي شكنجي ــ حلب)


تجربة ناجحة


لا يؤمن أويس بشيء اسمه موهبة: «الحياة عبارة عن محاولات. وبعد الإصرار على التدريب، تحصل على النتائج، فالموهبة ليست حصراً على الفنانين، الحداد فنان، التاجر فنان، الفران فنان، ويختلف الفنّ بحسب إمكانيات كل شخص». انقطع عن دراسته من أجل العمل، وفتح شركة «وهميّة» لتجارة الأدوات المنزلية. أثناء عمله جذبته «بسطة كتب» تحت «جسر الرئيس»، وسط مدينة دمشق. انتقى أوّل كتاب له، وبدأ يقرأ. قبل أن يكتب عدّة خواطِر. في ما بعد، مثل أدوار معظم هذه الشخصيات التي قرأ عنها. أويس مخللاتي، من مواليد دمشق عام 1986 ، عمل في عدّة مسرحيات، كانت أولاها على خشبة المسرح القومي في دمشق. كذلك، عمل في الدوبلاج. ولاحقاً، لعِبَ دوراً في مسرحيةّ «فوق الصفر»، في بيروت أيضاً. يشجعه أصدقاؤه على الغناء، ويفكر جديّاً بهذه المسألة أيضاً. يحب بيروت، ويعتبرها «تجربة ناجحة».
(أويس مخللاتي ــ دمشق)


«صوتووولي»


يسمّونها «نانو». درست الهندسة المعماريّة بجامعة حلب، وتابعت دراستها في كندا وبعدها في ليدز بإنكلترا. في حلب، كان الجو محافظاً، غير أنها خبأت شغفها بالموسيقى وحملته معها بين البلدان. اليوم، تدرس الغناء الكلاسيكي في الكونسرفتوار، أعادها الحنين إلى العربيّة إلى بيروت. في بريطانيا اقتصر الأمر على الجاز والموسيقى الغربيّة. تحاول أن تكون منصفة: «المقارنة بيننا وبين الغرب تقريباً مستحيلة». المفارقة، أن «نانو» مولعة بالعمارة أيضاً، غير أنها تشكو مما يشكو منه جميع الشباب هنا: قلة المشاريع والفرص. الحياة جميلة في بيروت لكنها مكلفة. تصمت قليلاً وتقول ممازحة: «بلبنان كل شي علاقات». سألناها إن كان ثمة ما تضيفه، أو ثمة ما نسيناه، فتقول، بلا تردد، ساخرةً من الذين يخرجون على الشاشات في برامج التسلية والألعاب... «صوتوووووووولي».
(نادين الرئيس ــ حمص)


«صدفة» بيروتيّة



يحنّ إلى الرسم وصناعة المجسمّات الكرتونيّة، أو «عادات الطفولة». عمل علاء في مسرح الأطفال، وقُبِل في المعهد العالي للفنون المسرحيّة عام 2008، لكنه لم يسجّل «لأسباب خاصّة». ولم يعنِ ذلك انقطاعه عن المسرح، إذ شارك في تدريب الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصّة على المسرح. يذكر هنا طفلاً كان يبيع الورد أحياناً على الطريق. كان قيس موهوباً، ولاحقاً صار يبيع الفول والبليلة أيضاً في أحياء جرمانا وأقراص الـ DVD ليلاً في الشام. أحب قيس المسرح، صمد لشهرين كاملين وغادر، لأنها «مصلحة ما بتطعمي خبز». اختير ليذهب إلى القاهرة، ضمن بعثة دراسيّة في مجال الهندسة الزراعيّة. كانت تكاليف الإقامة ألفي دولار أميركي في السنة، وراتب والده أربعين دولاراً شهريّاً، ما جعل الأمر مستحيلاً. لم يستسلم، وسجّل في الكونسرفتوار اللبناني، مستكملاً رغبة قديمة بالعزف على الـ«Drums»، وعمل محاسباً في بيروت لتغطيّة التكاليف. تحسنت الأحوال، وشكل فرقة مع ثلاثة لبنانيين. أسمّوها «صدفة»، ولعبت الفرقة في ساحة البرج وفي الحانات. «فرطت» الفرقة، يأسف علاء لذلك، كما يأسف لأن شعوبنا «غير قادرة على الحوار بالموسيقى».
(علاء صلاح الدين ــ السويدا)

غذاء الروح



لأن «القدم تدب مطرح ما تحب، ليس لدي شيء محدد أخطّط له»، يقول زكريا. عند وفاة والده، حمل مسؤولية العائلة. اضطر لترك الدراسة باكراً. وبعد مرور ست سنوات، قرر أن يتقفى أثر الأب، فتلقّى دروس العزف في المركز الثقافي الروسي في دمشق، ثمّ صار يدرّس فيما بعد. سبب وجوده في لبنان هو التحضير لتسجيل ألبومه الخاص، «والبحث عن مؤهلات كافية لتطويري كموسيقي». كان جدّه عازف عود، أما والده فكان غربياً واختار الغيتار. سار زكريا على هذه الطريق، وعزف مع «Oriental Flamenco» على مسرح الحمرا في دمشق وغيرها الكثير. برأيهِ، الفِرق «الموسيقيّة السورية أقوى من حيث الأداء والعطاء من الفِرق اللبنانية، إلا أنّ لبنان يبقى كبلد، الحاضن الأكبر، للموسيقين على عكس سوريا». مهلاً، «الفن لغة عالميّة»، يقول. يسخر من البرامج الغنائيّة، المتلفزة، التي هي برامج «استثماريّة» بينما الموسيقى «غذاء الروح».
(زكريا حموي ــ دمشق)

تصوير مروان طحطح