كمن يطمئن على نوم أطفاله، لم يكن العلّامة الشيخ حسن طراد يأوي إلى فراشه، قبل أن يطمئن إلى كتبه. يفتش عن الأمكنة التي يشعر بأنها فارغة في مكتبه، ويتأكد من أن كتبه ما زالت هنا. يخاف من الفقدان. فتلك الكتب التي خرج منها إلى الحياة، هي كل ما يملك الآن. فقد بنى معها الشيخ حسن علاقة حميمية، فإن أضاع كتاباً مثلاً، لا يهنأ له عيش حتى يجده... حتى أنه في أحيانٍ كثيرة قد يتصل بنجله ليلاً كي يأتي ليساعده في إيجاد الكتاب الضائع. وإن وجده، سترى ذلك الوجه المضيء، وكأن الشمس قد أشرقت من خلف الوجنتين.

هذه هي حكاية الشيخ حسن طراد. حكاية المكتبة «الولّادة التي من متنها خرجت إلى الحياة»، يقول. تمتدّ مكتبة الشيخ من بدايات سنوات وجوده، حتى صارت الكتب المُضافة توازي تقدم العمر. تحولت هذه المكتبة مع تقدمه في السن إلى دعامة لحركته الإنسانية، بحسب قوله. منها عرف معنى أن يكون هنا، بين تباينات البشر والعادات والأفكار والبيئات الاجتماعية.
يمشي الشيخ الثمانيني بمحاذاة كتبه، فيبدو مشهده كأنه يشبك يد رفيقة درب، بعدما رافقت تفاصيل حياته وكبرت معه. يُمسك الكتاب بيده اليُمنى ويحمل المكبّر باليد الأخرى، فتصير ملامحه طيعة للسرد الذي بين يديه.

يقول إنه لم يعرف معنى الوحدة يوماً، برغم انعزاله شبه التام في بدايات شبابه، من أجل الكتاب والدراسة، حتى أصبحت «خلوتي بالكتب أحبّ إليّ من أي شيء آخر». وصار الكتاب بالنسبة إليه مثل «الحبيبة حين نشتاق، والأب حين نتعب، والأم حين نبرد، والولد حين نكبر وتخوننا الذاكرة».
خصص الشيخ طراد بيتاً كاملاً لمكتبته، وانتقل للعيش في منزل آخر في المبنى نفسه، بعدما ازداد عدد الكتب، التي كان يشتريها أو يحصل عليها كهدايا. وكان له في إحدى غرف «بيت المكتبة» مكتباً يركن إليه من أجل القراءة والكتابة. كانت تمتد ساعات القراءة إلى تسعٍ خلال اليوم الواحد، يرفقها الشيخ بـ«مطيّب» مواز، هو الراديو. لا يحب وسيلة تواصل غيره والتلفاز في أحيان نادرة وهاتفه الجوال للضرورة. بعد ساعات القراءة الطويلة، «يخلد» الشيخ للكتابة... حتى صار له سبع مؤلفات دينية وهي: من وحي الاسلام وفلسفة الصيام وفلسفة الصلاة وفلسفة الحج ودروس تروبوية من وحي النهضة الحسينية وديوان شعر «من نور الإسلام» و5 مجلدات تحت الطبع بعنوان «دروس في علم الأصول».
لم يكتف الشيخ طراد منذ صغره بما كان يُلقّنه إياه أساتذته في المدرسة الأهليّة في الجنوب، أو في المدرسة الدينية المتنقلة بين عدد من علماء الدين آنذاك. كان يبحث دائماً عن السؤال المفتوح. السؤال الشره. كان يبتدع الفجوات في المعرفة، حتى يؤكد لنفسه ولكل من هم حوله أن هناك خلف كل معلومةٍ وتفسير عوالم أخرى، وسرديّات أبعد مما هو بديهي ومألوف. مع الوقت، تحولت هذه المكتبة إلى «دليلي ومرجعي وآية حجتي بين الناس، لما قدمته لي من خلفية ثقافية واسعة، ساعدتني في صناعة منظوري الخاص في العلوم الدينية، تاريخها وآثارها المستتبعة». يركز الشيخ طراد في انتقاء الكتب على الدينية منها، يجد فيها ملاذه ومتعته، وذلك لأنها تتعلق مباشرة في مجال عمله، ويجد فيها أولوية قبل أي مجال آخر ينوي الإطلاع عليه. ويقول إن الكتب الأهم التي «يجب على كل شخص اقتناؤها هي تاريخ الإسلام وتفسير القرآن وكتب الفلسفة الدينية والفكر الإسلامي والعرفان».
شكلت هذه المكتبة إرثاً ضخماً في حياة الشيخ، حتى أنه يردّد دائماً أمام المقربين منه وأمام عائلته، بأن لا يفرّطوا بها وأن يستفيدوا منها. ويعتبرها مصدراً يرجع إليه ليستحضر بعض المراجعات السابقة ويمر بكتب لم يكن مسبوقاً بها. ويقول: «علاقتي بالكتاب هي علاقة النفس الجائعة إلى الكلمة المُشبِعة. الكتاب الذي أسعف روحي لأكثر من60 عاماً». شكلت هذه المكتبة مرجعاً مهماً ليس فقط للشيخ طراد، إنما لعائلته ولعارفيه والمقربين منه وتلامذته وآلاف طلاب العلم، حتى أن زوجته صارت «تستحلي» كتباً منها وتقرأها. وامتدت متعة وجودها في هذا المكان الحميم والأليف، أي «بيت الجدّ» إلى الأحفاد، فساهمت في ترسيخ الوعي الجمعي داخل العائلة وللبيئة المحيطة به ومن عرفه، بأهمية الركون إلى القراءة، وتداول هذا الإرث الغني، الذي يعدّ محطة تأسيسية أولى لبناء قواعد النضوج وصقله.
لا يخفي الشيخ طراد قلقه الدائم على مكتبته، لذلك لا ينفك يذكر أولاده بحمايتها. وعن إمكانية تحويلها إلى مكتبة عامة، يقول إنه يأمل أن تساعده بعض الظروف التقنية من أجل نقلها إلى مكان أوسع و«أشرح»، حتى يتمكن الجميع من الاستفادة منها.
تتألف مكتبة الشيخ من أحد عشر ألف كتاب. فيها من الكتب «المعمّرة» التي تفوق عمر صاحبها، حتى أن بعضها موجود بنسخاته الأولى، ما يعد قيمة مضافة إلى التراث الأدبي والإسلامي. تتنوع مضامين الكتب المصطفة على الرفوف الحديدية الممتدة على جدران غرف البيت بكاملها، بين كتب دينية (فقه، أصول، عقائد، منطق، أحاديث، تفاسير، سيرة وتاريخ)، إضافة إلى كتب الفلسفة والسياسة والعلوم والأدب والشعر والنقد الديني والأدبي، كمؤلفات لسيد قطب وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبدالله العلايلي والجاحظ وشرح المعلقات وغيرها.

نبذة عن الشيخ حسن طراد

ولد الشيخ حسن طراد عام 1931 في بلدة معركة الجنوبية قضاء صور. أنهى دراسته في المدرسة العصرية عام 1948، وتفرغ بعد ذلك لدراسة العلوم الدينية على يد علماء دين مجتهدين في قرى الجنوب. سافر إلى النجف عام 1954 واجتاز هناك مراحل متقدمة في العلوم الدينية، بعدما تتلمذ على يد مراجع، كالشيخ محمد تقي الجواهري والسيد محمد باقر الصدر والسيد أبو القاسم الخوئي. عاد إلى لبنان عام 1981 ليمارس عمله في الدعوة والتعليم والتأليف. شارك في تأسيس حوزة الرسول الأكرم في حارة حريك. وهو يعد من علماء الدين المجتهدين في لبنان.