أريد أن أقرأ. أريد هذا الكتاب الذي قرأت عنه للتوّ في الصحيفة، وأنا أحتسي فنجان قهوتي الصباحي في منزلي. أو ربما، في مكتبي أو في المقهى. أريد هذا الكتاب الذي نصحني به أحد الأصدقاء، قائلاً: هذا كتاب يستحق القراءة. نعم، أريد أن أقرأ، وهذا سهل لمن يتعلق بهذا العالم. لكن، الصعب هنا هو كيفية الحصول على الكتاب. من أين سآتي به؟ أين أركن سيارتي إن لم يكن هناك موقف أمام المكتبة أو دار النشر؟ وماذا لو لم يكن متوفراً في المكتبة التي لجأت إليها؟ هل سيؤمنونه لي؟… سأنتظر معرض الكتاب نهاية العام وأجمع ما أريده. هكذا، أقول في نفسي. لكن، «أوف»، لقد نسيت تماماً عناويين الكتب التي كنت أريد قراءتها.


أتخيّل طريقة أخرى. يحلو لي مثلاً أن أتصل بهاتفي وأطلب كتاباً من «خدمة التوصيل المجاني للكتب». أتخيّل بأنها تأتيني خلال ساعات. أو في أحسن الأحوال، أفتح خدمة «الواتس آب» على رقم هاتفي، وأرسل إلى خدمة التوصيل اسم الكتاب وعنوانه واسمه لأحصل عليه بعد ساعات قليلة، وبالسعر المقرر عينه. هل من طريقة أمثل كي تخرج من تلك التفاصيل المزعجة، والتي تمنعك غالباً من الحصول على ما تريده من كتب؟
لنبدأ التجربة إذاً. لنقل أنني ارتأيت أن أكون أنا صاحب «خدمة التوصيل». أعلم أصدقائي بالخبر. أعمّم رقم هاتفي: 03/887909. أفتح صفحة على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك»، وأعلن فكرتي، ثم أبدأ بوضع صور للكتب وملخّصات عن محتواها، وأنتظر. اتصالاً، واتصالين ثم ثلاثة وعشرة.
نجحت التجربة. كان الأمر مدهشاً. وإن أحبطني البعض، كأن يقول أحدهم «يطعمك الحج والناس راجعة»، للدلالة على أن لا أحد يقرأ هذه الايام. وقد تواجه أيضاً آخرين يقولون لك بأن التوقيت ليس مناسباً، ويمطرونك بالأسئلة على شاكلة: ألا تشاهد ما الذي يحصل في الدول العربية ومن حولنا؟ مع ذلك، أكرّر: كان الأمر مدهشاً، وقد دعمني أصدقاء وناشرون بقوة وحماسة، قائلين: «كنا ننتظر هذا الأمر منذ زمن».
كانت هذه هي الفكرة. ربما، استغرقت التجربة وقتاً كي تنجح، ولكن الأمور تسير على ما يرام الآن. «بوك بوست» (bookpost) خدمة التوصيل المجاني صارت حقيقة.
قبل أن تصبح كذلك، تابعت لفترة طويلة أوضاع المكتبات. كان الأمر بالنسبة لي محزناً. مكتبة إثر أخرى تقفل أبوابها. تمحى ذاكرتها، وسرعان ما تتحول أمكنتها إلى مساحات لبيع الألعاب أو للسهر. والمضحك المبكي مثلاً أن كتاباً صدر قبل أعوام في بيروت قد يحتاج منك إلى أكثر من زيارة لأكثر من مكتبة للحصول عليه.
لنرى العالم من حولنا. نيويورك كانت تضم منذ سنوات أكثر من 300 مكتبة لم يبق منها اليوم سوى 30. هذا ما ينقله لنا الناشر أندري شيفران، مؤسس دار نشر نيو برس، في كتابه «المال والكلمات». وفي الصين شهد عام 2010، انسحاب 50% من المكتبات التقليدية الصينية من قطاع البيع للكتب بالمفرق. وشبكة «ليبرار دو فرانس» التي تضم موزعي الكتب الصغار، تشير إلى أن حصّة هؤلاء في سوق توزيع الكتب في فرنسا قد تقلصّت من 43% إلى أقل من 22%.
اكتساح التجارة الإلكترونية لسوق الكتاب الورقي في الولايات المتحدة الاميركية وأوروبا وحتى الصين، كان حاسماً في هذا المجال. وآخر التوقعات الأميركية ليست مطمئنة، فالمكتبات ستختفي خلال عقد واحد من الزمن.
لكني، لن أؤمن بذلك، وإن كان الكثيرون قد «بشروا» بنهاية عصر الكتاب الورقي. ففي كتابه «مجّرة غوتنبرغ»، توقع هربرت مارشال ماكلوهان، عالم الاجتماع الكندي، بقرب انتهاء عصر الطباعة ونهاية الكتاب في عصر القرية الالكترونية أو القرية الكونية، حسب تعبيره. وفي عام 2000 أيضاً، أعلن نائب مدير مايكروسوفت نهاية قريبة للكتاب الورقي. كان يتحدث بالطبع وفق رؤية مترافقة، في ذلك الوقت، مع مقولة انهيار عالم وبزوغ عالم جديد. وبرأيه «بعد عقدين، سيصبح الكتاب شيئاً من الماضي». ويومذاك، أضاف بنشوة المنتصر «في بداية عام 2019، سنجد في المعجم التعريف التالي لكلمة كتاب: مكتوب ذو حجم مهم يمكن الحصول عليه عبر الكمبيوتر أو أي جهاز الكتروني شخصي»!
لا يفصلنا عن عام 2019 إلا بضع سنوات. وأستطيع أن أجزم أن الكتاب الورقي باقٍ، فيما أحلام الذين توقعوا اختفاءه إلى زوال. يستحيل اختفاء الكتاب. فنحن نقرأ الكتاب لمقاومة النسيان، يقول بورخيس. ولا نهاية للقراءة، طالما نحن محاطون بالكلمات أينما ذهبنا.