تغريك الكتب المصفوفة على العتبة فوق الرصيف بأناقة. تقف أمامها، متنقّلاً بين عناوينها. تتأمّلها، فتشعر وكأنها تقول لك: «ادخل، هناك ما ينتظرك». ترتقي درجتين، فتجد نفسك في مكان صغير بمساحته، ولامتناهٍ بأسفاره. لا تحتل الكتب الرفوف كلها فقط، إذ يتمدد بعضها على الأرض ويرتفع البعض الآخر كناطحات السحاب. وفي الوسط، تتمركز أيضاً طاولة، بالكاد تتسع لكوب القهوة الصباحي، وسط زحمة الكتب. تلك التي اصفرت صفحات غالبيتها، حتى مالت إلى البني.


تخاف عليها، فتمسكها برقّة وتتصفحها على مهل كي لا تمزّقها. بعض أعمار تلك الكتب تتخطى الـ184 عاماً، كذلك الكتاب الفرنسي الذي يتحدث عن الجنس البشري. هذا الكتاب ثروة. قد نقول نحن الناس العاديين، ولكن جميل يوسف ـ صاحب مكتبة دار الجديد ـ لا يرى فيه صفقة تجارية رابحة. قد يحتفظ به في مكتبته الخاصة، يهديه لأحد يدرك قيمته المعرفية وعمره التاريخي، أو يتركه في المكتبة معروضاً للبيع بسعر «لقطة» لصاحب الحظ.
هنا، في مكتبة جميل، كما يعرفه الكثيرون، لا تجد الكتب طالبيها إلا بصعوبة. لم يعد ثمة قراء كثر، وإن كان «الصيت» بعكس ذلك. يرحب جميل بزوار مكتبته في شارع اميل إدّه بهدوء. لا يكثر من الأسئلة، إنما يتركهم يتصفحون الكتب إلى أن يسألوه هم عما يبحثون، فإن كانت النسخة متوفرة «كان به»، وإلا على يوسف تأمينها من دور النشر... التي بدأ حياته فيها.
قبل 26 عاماً، وتحديداً في عام 1989، بدأ يوسف حياته مع الكتب. عمل في أكثر من دار نشر لمدة تخطت العشرة أعوام. خلال تلك الفترة، استطاع الشاب أن ينسج علاقات وطيدة مع دور نشر عدّة عمل فيها. وكان آخر عملٍ له في هذا الإطار في دار «الجديد». وقد كان شديد التأثر بصاحبه لقمان سليم. هنا، في هذه الدار، أيقن يوسف أنه لم يعد هناك قراء حقيقيون. مع ذلك استمر في عمله، وبقي في تلك الدار حتى إغلاقه عام 2000، ليخرج منه إلى الفكرة التي راودته طيلة سنوات عمله: إنشاء مكتبة.
وقد ساعده لقمان سليم في تأسيس حلمه، وساهم معه بـ»تأثيثها». لكن، هذا الحلم سرعان ما تبدد، إذ لم يجد يوسف من يشتري الكتب الجديدة والأنيقة، فانتقل تدريجياً إلى الكتب المستعملة، بعدما لم تنجح المكتبة ليس في تحقيق الأرباح فحسب، بل في تسديد مصاريفها. كان ذلك سبباً رئيسياً في تبديل الجديد بالمستعمل، هكذا «تخفّض الكلفة عليّ وعلى الشاري أيضاً»، الذي يوقن يوسف أن حاله «على أده».
«الأغنياء لا يشترون الكتب، ربما يحتاجونها للديكور فقط»، يقول يوسف الذي حفظ زبائنه. يفضل تسميتهم بأصدقاء مكتبته الشعبية حيث «الأخذ والعطى الإنساني». فالكتاب يكون بـ10 دولارات وسرعان ما يصبح بـ10000 ليرة لبنانية. معظم زبائن «دار الجديد» يقصدونه على علم بقيمة مكتبته. وهم يأتونه «بالتواتر»، إما عبر أحد المعارف أو لـ»دلّية» على صفحة مكتبته على موقع التواصل الاجتماعي «فايسبوك» التي ساعدت الدار «في كسب رفاق أكثر ولو أن البعض ما زال زبوناً افتراضياً».
لا تحكم المادة علاقة جميل يوسف، الرجل الخمسيني، بزبائنه. تتعدى علاقته بزبائنه العلاقة الرتيبة للبائع والشاري لتصبح صداقة شخصية. زبائنه ممن يمكن وصفهم بـ«ديدان الكتب» الذين يلتهمون الكتب، معظمهم من الناقدين وكتاب وسياسيين ودبلوماسيين وحتى ممثلين. هؤلاء جميعاً يستطيعون الذهاب إلى مكتبات أخرى، لكنهم يفضلونه هو تحديداً. يعلمون أن للكتب عند جميل قصة أخرى، ليست كمن يدخل مكتبة «رِكبِت في السيستم» بعامليها ذوي الزي الموحد.
يتحول يوسف إلى شارٍ للكتب من زبائنه هو أيضاً. يتقن تبادل الأدوار، وهو الذي يمل أحياناً من دور البائع طوال الوقت. “يجني» الرجل كتباً من علاقاته مع زبائنه، فإما تأتيه الكتب منهم كتبرعات «لداعي السفر» أو يهديه آخرون كتبهم لضيق المساحة في بيوتهم. كثيرون منهم يرفضون المال من يوسف مقابل تلك الكتب، وعندها لا يجد الأخير حيلة سوى إهدائهم كتباً من مكتبته. في إحدى المرات، أرسل له المركز الثقافي الفرنسي كتباً فرنسية «من دون ولا ليرة». ورغم إيضاح يوسف بأن الطلب على هذه اللغة ضعيف نسبياً والمساحة في مكتبته لا تكفي، إلا أن القيمين أصروا على إرسال تلك الكتب.
يوسف، الرجل السوري الذي درس الاقتصاد وإدارة الأعمال في جامعة دمشق، لم يجد في «البزنس» حياة، فاتخذ من الكتب ملاذه... ومن المكتبة مكاناً ليحث به الناس على القراءة. لا يطمع بجني ثروة طائلة أو كنز علي بابا، يريد للناس أن يقرأوا. ومن يقرأ، برأيه، هم الشعوب الكادحة.
«أعطهم كتباً، أعطك شعباً»، يقول. لهذا الهدف، ترك يوسف دمشق وجاء إلى بيروت منذ عام 1989، وعمل فيها بين الكتب ودور النشر مؤمناً بخط يساري. يريد للناس أن تقرأ كل شيء وخاصة تلك الكتب التي تمنعها السلطات والأنظمة. الأنظمة ذاتها التي تروّج للأخبار نفسها. للكليشيه نفسه. في «الجارة الشقيقة منذ الـ1963 بصحفها الثلاث: البعث والثورة وتشرين»، كما يصف. ولأن تلك لأنظمة والحكومات تجد ملهاةً للشعب بأية وسيلة، لذلك أزاح يوسف «كتب اللهو» عن رفوف مكتبته، كالطبخ والأبراج والكلمات المتقاطعة.
اليوم، يمرّ على مكتبة يوسف خمس سنوات مأزومة. فالمكتبة مهدّدة بالإقفال بسبب ندرة الطلب على الكتب وحركة السوق التي تسير نحو الأسوأ. “مكتبة جميل» لم تعد تغطي حتى تكاليف الإيجار.
يوماً ما، ستقفل مكتبة جميل. سيبقى منها ضحكة جميل السموحة، التي لن تجدها في مكتبات العصر الحديث... والزي الموحد. فهذه الأخيرة تحوّلت لشركات رأسمالية تبغي الربح والعملة الخضراء، تبيع المنتج الفكري كأية سلعة تبتاعها من متجر ثياب أو سوبر ماركت ضخمة.
أن تدخل مكتبة لشراء رواية واحدة فتخرج برواية اشتريتها بنصف السعر وبكتابين هدية، فهذا يعني أنك في حضرة الجميل.