من منزله الكائن في بلدة تولين (قضاء مرجعيون)، يبدأ محمد عليان (17 سنة) رحلته سيراً على الأقدام، مع عدد من رفاقه، إلى أقرب نقطة تتجمع فيها مياه نبع الحجير القريب نسبياً من البلدة. تحت أشعة الشمس الحارقة، يسير أفراد «الشلّة» مع أملهم بأن تتوقف سيارة خاصة لتقلهم جميعاً إلى المكان المقصود. وهو عبارة عن بركة صغيرة تتجمع فيها مياه نبع الحجير، وهي الوحيدة العامة المجانية التي يتزاحم عليها عدد كبير من الذين لا يستطيعون دخول المتنزهات الكثيرة المتلاصقة على ضفاف نهر الليطاني بسبب كلفتها. يحسد معظم صبية البلدة عليان على «الحرية» التي يتمتع بها، لأن معظم الأهالي يمنعون أولادهم عادة من الذهاب إلى النهر من دون مرافقتهم. يؤكد والد عليان أن «معظم شباب البلدة يقصدون النهر القريب، الذي كان يستحيل الانتقال اليه أثناء الاحتلال الاسرائيلي، حتى أن كبار السن يحاولون التعويض عن سنوات الحرمان الطويلة من النهر فيذهبون مع أولادهم بهدف السباحة».

لا يحلم أطفال القرى وفتيانها إلا بالذهاب الى النهر. أما البحر، البعيد، فهم محرومون عادة من زيارته إلاّ ضمن رحلة جماعية مدروسة جداً، من حيث الوقت والكلفة المالية. «كان الذهاب إلى شاطئ البحر، ولا يزال، يعدّ أمراً استثنائياً، حتى أن عدداً كبيراً من أولاد المزارعين كبروا وأصبحوا شباباً من دون أن يشاهدوا البحر لأن معظم الأهالي لم يكونوا يملكون السيارات إضافة إلى الكلفة المالية المرتفعة».
يذكر رامي خلف (40 سنة)، الزيارة الأولى له إلى شاطئ بحر صور: «كنت في الثالثة عشر من عمري، وقتها دام النقاش مع أهلي وأهل رفاقي ساعات حتى حصلنا على الإذن في الذهاب مع سائق سيارة بيك آب، معروف جيداً بأمانته». لم ينم رامي ليلة الرحلة الموعودة، «خفت من النوم وعدم النهوض باكراً، وبالتالي عدم الوصول الى المكان الذي حددناه للانطلاق». أما صديقه فقد «ربط أصبعه بخيط طويل، قبل نومه، ومدّه من نافذة الغرفة المطلّة على الشارع العام، بهدف أن نقوم نحن بشدّ الخيط لكي ينهض من نومه دون أن يزعج أحداً من أسرته، ويضمن الذهاب إلى الرحلة دون نقاش جديد مع الأهل».
استغرقت الرحلة إلى البحر نحو ساعة من الزمن، «كلّ منا أحضر بعض المعلّبات من منزله، إضافة إلى بعض المال الذي لا يكفي لشراء ربطة خبز. لم يكن همّنا الطعام، لقد شاهدنا البحر، وكأننا نشاهد أمراً عظيماً، ركضنا بسرعة إلى الشاطئ وبدأنا نلعب ونسبح، ونصارع الأمواج، وبعد ساعات تنبهنا إلى أن علينا أن نأكل لأن معدنا خاوية. لكن الطعام الذي أحضرناه لم يكن كافياً بسبب الجوع الناجم عن التعب واللعب، طلبنا الخبز من عائلة تجلس بقربنا لنسدّ به رمقنا، وعند موعد الرحيل، بدأنا ننظر إلى البحر وكأننا نودعه خوفاً من أن لا نراه ثانية».
حتى اليوم، ومع سهولة المواصلات، لا يزال التوجه إلى شاطئ البحر أو حتى ضفاف النهر، أمراً مكلفاً بالنسبة إلى العائلات الفقيرة أو المتوسطة الدخل. «جميع ضفاف النهر أصبحت مقفلة وتحت سيطرة أصحاب المتنزهات، وبالتالي على الزائر دفع مبلغ لا يقل عن 15000 ليرة عن الشخص الواحد عدا عن بدلات الطعام والشراب»، يقول أحمد حسين (حولا). أما إذا أراد أن يتوجه إلى بحر صور «فالكلفة الأقلّ للشخص الواحد تعادل 50 الف ليرة».
في بلدة عيترون شيدت البلدية مسبحاً عاماً «خفّف عن الأهالي أعباء مالية كبيرة، كما شكّل فسحة تلاق لأبناء المنطقة». في كلّ صباح يتسابق أطفال وشباب عيترون على حجز مكان لهم في متنزه البلدة الجديد، فهو بات ملاذهم الرئيسي لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة. المسبح شبه مجاني، «لا يكبّد زائره أي مبلغ مالي إلّا إذا أراد شراء المأكولات وغيرها من المطعم الذي حرصت البلدية على أن تكون أسعاره زهيدة» كما يقول رئيس البلدية حيدر مواسي موضحاً أن «المسبح العام شيّد على مساحة واسعة من الأرض التي بني عليها ملعبان رياضيان وحديقة عامة وأخرى خاصة بألعاب الأطفال، الأمر الذي ساهم في تسلية الأطفال والشباب، الذين باتوا ينظّمون الدورات الرياضية المختلفة، إضافة الى دورات للسباحة».
وفي حين يذكر عبدالله فرحات (70 سنة) أن «معظم أبناء القرى تعلموا السباحة في برك القرى»، يعمل اتحاد بلديات جبل عامل اليوم على تدريب الأجيال الجديدة على السباحة، من خلال الاستعانة بمدربين متخصصين، واستئجار بعض المسابح الخاصة، «وقد جرى تدريب أكثر من مئة شاب على السباحة خلال العام الفائت» كما يشير مدرّب الاتحاد بلال ياسين.