لا يغفو بحر صور قبل أن يطمئنَّ إلى أنَّ أهل المدينة أغلقوا أبوابهم بانتظار صُبح آخر. وصور، «السّاكنة عند مداخل البحر»، لها طقوسها الخاصة في عشق البحر، وأهلها الذين «يخاوون» البحر منذ ولادتهم، يحترفون صناعة الفرح في البرّ والبحر معاً.

بتوقيت واحد تقريباً، يحجز غسّان الشابُّ الصُوري الطويل القامة غرفة مُطِلَّة على البحر في «دار ألما» وهو أحد بيوت صُور القديمة الذي تحوّل إلى فندق صغير قبل أشهر قليلة.

يتابع أبو الياس، آخر عمالقة آل بربور الأحياء سيْرَ الأعمال في ورشة صناعة السُّفن التي يديرها الآن ابنه جورج. يمارس عدد من الصيادين في المقهى البحري فعل النميمة على رفيق لهم، فيما يقوم بعض «السبِّيحة» من أبناء المدينة بمغامرة «محسوبة» في البحر قبالة المنطقة المعروفة بـ«الجَمَل».
كان الوقت قد تجاوز الثالثة عصراً على شاطئ صور الجنوبي. الخيمة رقم 49. لا يُربِك الازدحام داليا فران التي تدير، وفريق عمل مكوّناً من عشرين شاباً وشابة، واحداً من «الكيوسكات» المنتشرة على جزء من الشاطئ. «تعوّدنا» تقول. الفتاة الصُوْريّة التي عملت سابقاً في فريق نزع الألغام في الجنوب تكرّس كل وقتها، على مدى خمسة أشهر متواصلة، لمشروعها السياحي الصغير. «أنا هنا منذ 12 سنة وزبائن الاستراحة من مختلف المحافظات اللبنانية». داليا المغرمة بالبحر منذ طفولتها، تبدي اهتماماً كبيراً بالأنشطة البيئية على الشاطئ وتسعى سنوياً لتطوير الأنشطة المائية بما لا يتعارض مع «توجيهات البلدية».
يناشد الصوت الآتي من «إذاعة الشاطئ» والد أحد الأطفال لاستعادة ابنه الذي أضاعه قبل دقائق. تشير الراية البرتقالية المرتفعة إلى أن حالة البحر «حذرة» ودون مرحلة الخطر. يقول رجل الإنقاذ إنه «تم تسجيل أكثر من عشرين حالة غرق الأسبوع الماضي، ولكن تم إنقاذهم جميعاً».


ليلة السبت صارت تظاهرة فرح تضم قرابة 10 آلاف مواطن

قياساً بسنوات سابقة، تقلّصت كثيراً حالات الغرق على شاطئ صور بفعل التشدد في إجراءات السلامة، ومن بينها وجود فريق تابع لـ«الصليب الأحمر». الشاطئ الذي يبلغ طوله الإجمالي قرابة ثلاثة كيلومترات، وبعرض يتجاوز المئتين وخمسين متراً، ويرتاده ما يقارب نصف مليون شخص خلال أشهر الصيف الثلاثة، يعدُّ جزءاً أساسياً من «محمية شاطئ صور الطبيعية» التي تحوي ثلاثة أقسام أخرى. يؤكد مدير المحمية حسن حمزة أنه لا تعارُض بين النشاط السياحي على الشاطئ وبين كونه جزءاً من محمية حسب قانون إنشاء الأخيرة. يقول الرجل «إن إدارة المحمية بالتعاون مع البلدية تتولى الأمور المعنية بنظافة الشاطئ، إضافة إلى التأكد من مراعاة أصحاب الخيم للشروط البيئية»، لافتاً إلى «وجود مشاريع عديدة يسعى إلى تنفيذها مع المجتمع الأهلي لحماية المنطقة الساحلية جنوب صور التي تعتبر الأقل تلوّثاً في كلّ لبنان».

المرفأ القديم

يعرف أهل صور ومنطقتها أن الكورنيش الجنوبي للمدينة (كورنيش نبيه بري) الممتد بين «الجامعة الإسلامية» و«استراحة صور السياحية» تحوَّل في السنوات الأخيرة الماضية إلى نقطة استقطاب لهواة المشي. برأي رئيس بلدية صور حسن دبوق، أن «ليلة السبت من كل أسبوع صارت تظاهرة فرح تضم قرابة عشرة آلاف مواطن». يقول «الريّس» إن البلدية تقوم بتوفير كل الإجراءات اللوجستية والأمنية اللازمة، محوّلة جزءاً من الشارع للمشاة فقط، حيث تقام عروض موسيقية وترفيهية عديدة.

قياساً بسنوات سابقة، تقلّصت كثيراً حالات الغرق على الشاطئ
على الجهة الأخرى من الواجهة البحرية لصور، يتواصل العمل في بناء «بيت الصيادين» الذي يُعدُّ إضافة للساحات والأرصفة التي تم تشييدها أخيراً جزءاً من «مشروع الإرث الثقافي» للمدينة. يرى دبوق أن لـ«بيت الصيادين» وظيفة اجتماعية أساسية تطال شريحة مهمة من أبناء المدينة الذين يعتبرون بمثابة إرث ثقافي غير ملموس يجب الحفاظ عليه». رئيس بلدية صور الذي يبدو مهتمّاً بتنشيط السياحة الثقافية في المدينة، يعِدُ بنسخة متطورة هذا العام من «عرس الميناء» الذي تم تنظيمه قبل أربعة أعوام قرب المرفأ التاريخي.

ذاكرة البحر

لطالما كان البحر هو المتنفّس الوحيد لأبناء مدينة صور التي يظهر البحر من كلِّ جهاتها. يقول منير بدوي (أحد مؤرّخي مدينة صور): «إذا أراد كاتب أو شاعر من صور أن يكتب، فإن أول كلمة تخطر على باله هي البحر. أهل صور بحريون بالفطرة». يشير الرجل إلى محطة تاريخية مفصلية في تاريخ صور وعلاقتها بالبحر، وهي قيام عباس النصار بإعادة بناء المدينة بعد خرابها في العصر المملوكي. ويلفت إلى أن «التجارة البحرية هي التي أعادت إحياء المدينة من تحت الركام»، مشدداً على أهمية الدور الذي قام به في هذا الإطار أحد كبار التجار اللبنانيين واسمه جرجس مشاقة. من جهة أخرى، يؤرخ بدوي للعام 1964 باعتباره العام الذي شهد أول مهرجان دولي للتزلج المائي في صور قبل أن يعاد إحياؤه أخيراً!