تتجلى روعة بطولة دوري أبطال أوروبا أكثر ما تتجلى بكونها تتخطى مجرد أنها مساحة للتنافس بين فرق مختلفة للوصول إلى الكأس الغالية، بل باعتبارها مسرحاً يعكس ثقافات كروية وأساليب لعب متنوعة. ولعل المباراة النهائية هذا العام في برلين تمثّل المثال الساطع على هذا الاختلاف. فبمجرد القول إن طرفَيها هما برشلونة الإسباني ويوفنتوس الإيطالي، فإن الصورة الأولى التي ترتسم في الذهن مباشرة هي الفارق الكبير بين مدرستي هذين الفريقين، وثقافتهما الكروية، اي بين يوفنتوس الصلابة والقوة، وبرشلونة الفن والسحر الكروي.


فمن جهة يوفنتوس، فإن هذا الفريق أعطى مثالاً واضحاً في دوري أبطال أوروبا لكرة «الكاتيناتشو» التي ابتكرها الطليان، بما تمثله من قوة دفاعية لا نظير لها وصلابة وقتالية في الأداء، وقد جسّدها «اليوفي» في السنوات الأخيرة أكثر من غيره في المحافل الأوروبية لينجح هذا الموسم من خلالها بالوصول إلى النهائي.


أليغري ينسخ كونتي

ففي الوقت الذي اتجهت فيه كبرى الفرق الأوروبية نحو الخطط الهجومية المتنوعة والسرعة في الأداء، فإن «البيانكونيري» ظل محافظاً على شكله الدفاعي تحديداً عند تخطيه الحدود الإيطالية، حيث نصبح حينها أمام صورة مطابقة للمنتخب الإيطالي. صحيح أن الفريق يملك خامات من الممكن أن تسحر المتابعين بتمريرة من هنا، أو مراوغة من هناك على غرار «ملك» الوسط أندريا بيرلو والفرنسي الموهوب بول بوغبا، إلا أن ذلك يبقى مجرد مبادرات شخصية لا يمكن أن تغيّر من النمط السائد.
فقد تمكن المدرب السابق أنطونيو كونتي منذ 2011 حتى رحيله عن صفوف الفريق في الصيف الماضي من ترسيخ هذا الفكر باعتماده خطة 3-5-2، عبر ثلاثة مدافعين أكفّاء هم جيورجيو كييليني وليوناردو بونوتشي وأندريا بارزاغلي الذين يمثلون خطاً حديدياً صلباً، ومن أمامهم 5 لاعبي وسط بينهم مقاتلَان بكل ما للكلمة من معنى هما كلاوديو ماركيزيو والتشيلياني أرتورو فيدال.
ومع تسلّم ماسيميليانو أليغري المهمة، بدا أن مدرب ميلان السابق يتجه نحو تبديل شكل الفريق، وهذا ما يتضح من اعتماده خطة 4-4-2، إلا أنه لم يستطع أوروبياً الخروج من جلباب كونتي فعاد في المحطات المفصلية في الأدوار الإقصائية إلى خطة 3-5-2، كما كان الحال في مباراة إياب ربع النهائي في فرنسا أمام موناكو 0-0، وفي الشوط الثاني من إياب نصف النهائي أمام ريال مدريد الإسباني 1-1، وهذا يعكس بوضوح الثقافة المتأصلة في يوفنتوس. هنا، حيث تتمثل القتالية والصلابة في الأداء بكل أشكالهما، التي يعكسها، على سبيل المثال، «المشهد المرعب» لكييليني وهو يلف رأسه بضمادات بعد الإصابة في مباراة الذهاب أمام ريال مدريد وينقضّ على البرتغالي كريستيانو رونالدو وزملائه ليذود عن مرمى فريقه.
هذه الثقافة تأخذ شكلاً آخر خارج الملعب تعكسها تصريحات اللاعبين قبل المباريات أمام الفرق الكبرى في دوري الأبطال، وتحديداً لازمة بأن «هذه المباراة هي الأهم في حياتي» التي يمكن إحصاؤها في أكثر من مناسبة في الأدوار الإقصائية هذا الموسم، وهذا إن دل على شيء فعلى قوة التحدي المزروعة في نفوس اللاعبين بحيث أن كل مباراة لديهم هي بمثابة حرب.

برشلونة عنوان الهجوم

كل هذه الصورة تبدو مختلفة كلياً في إسبانيا، تماماً كالفرق الشاسع جغرافياً بين مدينتي برشلونة، التي تقع في شبه جزيرة إيبيريا على ساحل البحر المتوسط، وتورينو القريبة من جبال الألب، وما يستتبع ذلك من اختلاف في المناخ والطباع، إذ إن فريق برشلونة بات عنواناً للعب الهجومي والسحر الكروي. من الصعب في «البرسا» أن تشاهد لقطة كتلك السالفة لكييليني وما تعكسه، إذ عند وجود المواهب يصبح الفكر متّجهاً نحو الكرة الجميلة واللمحات الفنية التي تنال الإعجاب والتصفيق.
فقد وصل «البلاوغرانا» في الاعوام الأخيرة، التي حقق فيها نجاحاً لافتاً على الصعيد الأوروبي، إلى أن يصبح مرجعاً في الكرة الهجومية التي تعتمد على الأداء المبهر والتمريرات السريعة «التيكي تاكا» التي رسّخها المدرب جوسيب غوارديولا بوجود لاعبين مثل الأرجنتيني ليونيل ميسي والثنائي أندريس إينييستا وشافي هرنانديز، لتحاول العديد من الفرق أن تسير على خطاه وبينها طبعاً بايرن ميونيخ الألماني الذي تعاقد مع غوارديولا لهذه الغاية.
صحيح أن برشلونة عرف هبوطاً في المستوى في الموسمين الماضيين، وهذا طبيعي بعد حقبة غوارديولا ونظراً للعديد من التغييرات التي حصلت في الفريق على مستوى الجهاز الفني واللاعبين، إلا أنه لم يحد عن مساره وسرعان ما عاد ليطرب الجماهير بأدائه الساحر وقوته الهجومية المرعبة المتمثلة بالثلاثي ميسي والأوروغوياني لويس سواريز والبرازيلي نيمار، وهذا ما أوصله إلى نهائي برلين هذا الموسم.
الفارق بين يوفنتوس وبرشلونة أنه في مدينة تورينو من العادي جداً أن يبحث فريقها عن النتيجة مهما يكن الأداء، أما في المدينة الكاتالونية فهذا ما لم يمكن تقبّله، إذ إن الفوز من دون كرة جميلة أشبه بالخسارة، ولعل ابن بلاد يوفنتوس، المدرب الشهير أريغو ساكي، هو أبرز من يوصّف برشلونة، إذ يقول: «كرة القدم التي يقدّمها برشلونة تولّد لديك مشاعر لا توصف. البرسا لديه فكرة واضحة عن كرة القدم. أحياناً تشاهد مباريات لفرق أخرى فتصيبك بالملل وتساعدك على الذهاب إلى النوم. أما الوضع، فمغاير مع البرسا، إذ إنه يجعلك متشوّقاً دائماً لمشاهدته».
في الملعب الأولمبي في برلين، سيتواجه برشلونة ويوفنتوس في نهائي دوري أبطال أوروبا. المسألة هنا تتخطى فريقين متقابلين يرتديان زياً مختلفاً، إلى مدرستين مختلفتين ونهجين وثقافتين تماماً، يبحث كل منهما عن تأكيد جدارته على الآخر.