يشكّل «إعدام ميت» (1985) «فرصة سعيدة» لاجتماع ثلاثة خبراء في «دراما الجاسوسية» المصرية. المخرج علي عبد الخالق (من مواليد القاهرة 1944 ــ «بئر الخيانة» عام 1987، «الكافير» عام 1999). النجم محمود عبد العزيز، الذي لعب ضابط الاستخبارات في «فخ الجواسيس» (1992 ــ إخراج أشرف فهمي)، ورجلها الأشهر في ثلاثية «رأفت الهجان» ليحيى العلمي عن سيناريو صالح مرسي.


السيناريست إبراهيم مسعود الذي عمل مع عبد الخالق في فيلمَيْه المذكورين، إضافةً إلى آخرين في عناوين مثل «فخ الجواسيس»، ومسلسل «الثعلب» (1993 ــ إخراج أحمد خضر). مسعود نفسه خبر العمل في الاستخبارات العامة لسنوات، كما ماهر عبد الحميد الذي كانت له تجربة في الإيقاع بشبكة تجسّس إسرائيلية خطيرة.
الاثنان استغلّا خبراتهما العملية، واطلاعهما على ملفات حقيقية، لنقرأ تلك العبارة الشهيرة على الشاشة: «من ملفات الاستخبارات العامة المصرية» أو «من سجلات الأمن القومي». أيضاً، لا يمكن نسيان اقتباسات صالح مرسي وبشير الديك ونبيل فاروق، عن أحداث مشرقة في تاريخ الصراع العربي ــ الإسرائيلي.
في رحلة الفيلموغرافيا الطويلة، يبقى «الصعود إلى الهاوية» (1978 ــ إخراج كمال الشيخ، سيناريو صالح مرسي وماهر عبد الحميد) الأكثر تماسكاً ونضجاً. هو الأب الروحي لهذا الجنر الحديث والنادر في السينما العربية.
بالعودة إلى «إعدام ميت»، يضطلع محمود عبد العزيز بدورين متناقضين: ضابط الاستخبارات المصرية «عز الدين»، والجاسوس «منصور مساعد الطوبي». الخائن الحقيقي يحمل اسم «سليمان ترابين»، وهو والد جاسوس آخر «عودة»، اعتقلته الاستخبارات المصريّة عام 1999. الشبه الشكلي بينهما يلهم الضابط المحنّك «محيي الدين» (فريد شوقي)، للقيام بعملية استبدال، إثر القبض على الجاسوس والحكم عليه بالإعدام.
هذا الأخير لا يجد بديلاً من التعاون لإنقاذ نفسه. الهدف هو مفاعل ديمونة الغامض، لمعرفة حقيقة القنبلة الذريّة الإسرائيلية، قبل حرب أكتوبر (تشرين الأوّل). الضابط ينغمس في عملية «الإحلال»، حتى أنّه يخضع لعملية قطع أحد أصابع قدمه. يعبر إلى جنوب سيناء، لتبدأ لعبة شدّ حبال متلفة للأعصاب. يراقص أبوه البدوي التقليدي (إبراهيم الشامي) وأخته «فاطمة» (ليلى علوي) من جهة، وحبيبته عميلة الموساد «سحر» (بوسي) من جهة ثانية، والأخطر الضابط الإسرائيلي «أبو جودة» (يحيى الفخراني) في رأس المثلث الكابوسي.
هنا، يلعب أداء الجميع، خصوصاً عبد العزيز والفخراني، الدور الأساس في حمل الفيلم. نعم، لا يمكن وصف العمارة الدرامية بالمثالية والكمال، إلا أنّه شريط جذّاب، يحتفي بالإخراج والتقنيّة إلى حدّ معقول. موسيقى عمر خيرت ما زالت تصدح في الأذهان. سينماتوغرافيا سعيد شيمي تنتقل بخفّة على الكتف، من ردهات المكاتب المصريّة، إلى ديكور نهاد بهجت في الصحراء الموحشة. موفق ذلك التأرجح بين التشويق الدرامي والتلقين الوطني (الكارثة التي أودت بالعديد من أعمال الجاسوسية).
كذلك، لا بدّ من رؤية مفردات التجسّس الرائجة في ذلك الزمن (ميكروفيلم، جهاز كشف الكذب...). منذ بدء عرضه على التلفزيون، صار «إعدام ميت» من مفضّلات الذاكرة السينيفيلية العربيّة. لا أمتع من رؤية محمود عبد العزيز يسير على شعرة رفيعة كبهلوان محترف، ويحيى الفخراني يكسر النمط البوندي بكرشه المتدلّي ونكاته السمجة. شهية طيبة.

* اليوم 11:30 مساءً، والإعادة غداً الأحد 3:00 عصراً، على قناة «سيما» (12034H).