تدور أحداث فيلم التشويق الأميركي ــ البريطاني «طفل44» (Child 44) من إخراج السويدي دانيال إسبينوزا في روسيا، في بداية الخمسينيات من القرن الماضي، بعيد انتهاء الحرب العالمية الثانية. إلا أنّ الفيلم الذي يصوّر ديكتاتورية النظام الشيوعي في عهد ستالين وعنف الاستخبارات الروسية، مُنع من العرض في روسيا بأمر من وزير الثقافة فلاديمير ميدنيسكي. وذلك بسبب «الفظاعة التي يصوّر فيها روسيا في عهد ستالين، وتصويره الشعب الروسي ككائنات متخلفة عقلياً وجسدياً، إضافة إلى تزويره للحقائق التاريخية وانتقاصه من الانتصار العظيم للاتحاد السوفياتي على ألمانيا النازية في أيّار (مايو) 1945.


وهو تاريخ يتزامن هذا العام مع موعد صدور الفيلم في الصالات».
بغض النظر عن صدقية هذه الادعاءات، من المضحك التصدي لتهمة الديكتاتورية التي يروّج لها الشريط عبر الرقابة التي تعتبر أحد أوجه الديكتاتورية.
هذا لا يمنع أنّ Child 44 يسخر منذ البداية من الانتصار الذي يحتفي به السوفيات كما نرى في المشهد الذي يعلّق فيه البطل ضابط الاستخبارات «ليو» (طوم هاردي) العلم الأحمر في برلين، لكن يمنعه القائد بسبب يده التي تزيّنها الساعات المسروقة من جثث الجنود الألمان، في إشارة إلى الصورة التاريخية التي تظهر فيها الساعة على يد الجندي الذي يلوّح بالعلم. أو كما نرى لاحقاً حين يتم التعتيم على قضية قتل طفل أحد القادة في جهاز الاستخبارات، وتصنيفها ضمن «الحوادث»، رغم وجود أدلة، وذلك بحجة الشعار المتكرر: «لا جرائم تحدث في الجنة». جنّة يصوّرها الفيلم وكأنّها الحجيم.
عدا ذلك، مشكلة الشريط أنّه يدور حول محاور عدة، فيبدو تائهاً بين الدرامي ــ التاريخي والتشويق التجاري الذي يتجه صوبه في النهاية، من دون أن تكون له نقطة ارتكاز واضحة.
ففي البداية، يرسم الفيلم بورتريه سوداودياً عن الاتحاد السوفياتي في قبضة ستالين، مصوّراً عمليات الاعتقال والإعدام اليومية، ومتناولاً علاقة «ليو» بزوجته «ريسا» (نعومي راباس)، المثيرة للاهتمام أكثر من قضية قتل الأطفال. قضية يركّز عليها لاحقاً، وتبدو بطابعها البوليسي المستهلك بلا مغزى واضح.
يشرح الفيلم علاقة الثنائي، عارضاً تناقضاتها بحس من الطرافة الذكية والمعبّرة، إذ نسمع في أحد المشاهد «ليو» يتحدّث بفائض من الرومانسية عن لقائه الأوّل بزوجته التي لمّا سألها عن اسمها كذبت وأخبرته بأنّه «لينا».
في ما بعد، نلاحظ أنّ «ريسا» غائبة دائماً حتى أثناء العلاقة الجنسية مع زوجها. لكن وللسخرية، يكتشف «ليو» للمرّة الأولى في نهاية الفيلم سرّ ذلك الغموض الساحر الذي شدّه إلى «ريسا»، حين تعترف له بأنّها غيّرت اسمها في لقائهما الأوّل حين علمت أنّه عنصر استخبارات. وأنّها قبلت الزواج به فقط بسبب خوفها الشديد منه.
أما قصة قاتل الأطفال المتسلسل الذي يسعى «ليو» لكشفه، فلا تبدو سوى حجّة للأكشن الاستعراضي الذي لا يتوافق مع إيقاع الفيلم المشغول بعناية أكثر في الأجزاء السابقة، خصوصاً المعركة الأخيرة حيث الأبطال الذين يغمر الوحل أجسادهم، يتقاتلون بطريقة مضحكة كما الزومبي. وفي تحليله لشخصية القاتل المتسلسل، يحيل Child 44 الأمر إلى نشأته في الميتم وإلى الحرب، من دون المزيد من التوضيح. كأنّما يقصد أنّ المكان نفسه حوّله إلى مجرم أو أنّه التقط عدوى القتل من الخارج، أي من الألمان أو من «شيطان الرأسمالية». لكن ما يُغني الفيلم، هو قوّة أداء الممثلين، إضافة إلى الجمالية القاتمة التي يؤسس لها المخرج، حيث تتماهى ألوان الديكور الرمادية مع الملابس وبرودة الضوء، ومع الهندسة البصرية. حتى في اللقطات المقرّبة على وجوه الممثلين، تعكس الكاميرا حالة الجماد الخالي تماماً من الحياة.

* صالات «غراند سينما» (01/209109)، «أمبير» (1269)، «سينما سيتي» (01/995195)