تعديل بسيط لا يعوّل عليه، ولكنّه بالنسبة لأحمد ـ بائع الذرة ـ زاد من «خرجّيته» في زحمة أيامٍ سوداء. حدث ذلك أواخر عام 2006. بتحديدٍ أكثر، بعد توقيع مذكرة التفاهم ما بين حزب الله والتيار الوطني الحر، كما صار يعرف لاحقاً. يومها، سمع احمد بـ«الورقة»، فلم يفهم منها إلا أنه «نحكي مع المسيحيين». هذا الفهم البسيط دفعه لشيء أبسط، وهو تعليق صليب إلى جانب القرآن الذي كان موجوداً على مقدمة عربة الذرة المتهالكة.


هذا الفعل جلب له زبائن أكثر وجعله «آمناً» في زواريب عين الرمانة. والأهم من ذلك كلّه، زاد «غلّته». هكذا، يفهم أحمد ما جرى في كنيسة مار مخايل عام 2006. الصليب ولقمة العيش. أما ما عدا ذلك، فلا يعدو كونه مجرد «اتفاق كغيره من الاتفاقات التي أبرمت بعد أيام عوزٍ طويل، لا تصبّ في النهاية إلا في المصالح السياسية البحتة، وإن حوت متممات فيها عن الخوف على المصلحة العامة».


«كان يتم توظيف كفاءات من الطائفة الشيعية في بعض الشركات المملوكة من مسيحيين قبل عام الاتفاق، وهذا يعود إلى نظرة الطرفين كليهما إلى الآخر وأولوياته، إن كانت وفقاً للطائفة أو للمؤهلات»

الناس، على شاكلة أحمد، سيفهمون الأمر نفسه، فتلك الاتفاقات لا تسمن ولا تغني عن جوع ومتمماتها من مثل مصطلح المصلحة العامة «لا تسدّ فجوات المعيشة اليومية».
تسع سنوات مرّت على ذلك الاتفاق، بين الجنرال ميشال عون، العائد حديثاً من المنفى وأمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله، الذي خلص إلى توقيع «الورقة». تسع سنواتٍ مرّت على ناس يشبهون أحمد وآخرين رسّخت لهم هذه الورقة مفهوماً ونظرة جديدتين الـ»حليف المسيحي» في بيئة حزب الله في الضاحية، بعدما صار المسيحي «العوني» رفيقاً.
صار رفيقاً بالنسبة لكثيرين... بعدما كانت جملة اعتبارات تقف دون ذلك. اعتبارات تجنّب من أجلها المسلمون «الشيعة» مخالطة المسيحيين. والأسباب لدى جيل الثمانينيات والتسعينيات تركز أبرزها على الاختلاف في السياسة، كما الاختلاف في العادات الاجتماعية والدينية، من دون نسيان البعد الجغرافي. كل هذا كان قبل الورقة. أما بعد، فقد «تغيّر اسم صديقنا المسيحي في التيار من جورج إلى أبو علي، فلم ينزعج هو من اللقب، ونحن بدورنا شعرنا أنه صار أقرب إلينا»، يقول مهدي خليل، طالب الهندسة. يتحدث بصيغة «نون» الجماعة، في إشارة إلى «شعبة حزب الله في الكلية». ويروي الشاب بالصيغة نفسها ما صار عليه الوضع في الجامعة بعد التوقيع «حيث تكثّفت النشاطات السياسية والفنية المشتركة بين المنتسبين إلى الفريقين السياسيين الحليفين»، معتبراً أن «معالم هذه العلاقة المميزة كانت تظهر في الانتخابات الطلابية».
هذه العلاقة «المميزة» انسحبت على حياته المهنية، عندما «ساعدني جورج في إيجاد عمل في شركة مسيحية في منطقة الذوق، يملكها رجل يؤيد التيار الوطني والمقاومة، وهذا الأمر ما كنّا لنحلم به قبل الاتفاق»، يستطرد.
أما سارة مغنية، المصوّرة الفوتوغرافيّة، فترفض رأي خليل. ثمة مبالغة هنا. هي تقول ذلك. فبرأيها «كان يتم توظيف كفاءات من الطائفة الشيعية في بعض الشركات المملوكة من مسيحيين قبل عام الاتفاق، وهذا يعود إلى نظرة الطرفين كليهما إلى الآخر وأولوياته، إن كانت وفقاً للطائفة أو للمؤهلات». وتقول إنه «رغم الإيجابيات السياسية التي رسّخها الاتفاق، غير أنه لم يستطع أن يتغلغل في حياة البيئتين كلتيهما، أو أن يخلق إيديولوجية جديدة غير تلك السائدة، تمكنهما من الانصهار في مجالات معيشتهما بتلقائية اجتماعية وإنسانية». الأمر بهذه البساطة، «ومن دون التفكير أصلاً بكليشيهات التعايش المشترك، الذي صدّقته مجموعات من البيئتين، وراحت تطبقه بطرق تمثيلية مضحكة. إذا كانا يريدان التعايش حقاً فليطبقا ذلك فعلياً ولا «يطبلوننا» بشعارات سخيفة كعناق الصليب والهلال مثلاً».
لهذا، لم تنسحب ورقة التفاهم على التغيرات السياسية كافة الطارئة على البلد في السنوات الأخيرة، فقد اختلف الطرفان على أمور عدّة في مناسبات غير بعيدة، منها مثلاً التمديد لقائد الجيش من عدمه والتمديد لمجلس النواب وقانون الانتخاب. وقد كان لذلك أثره في القاعدة الشعبية للحزبين كليهما، حتى صارت تلعب السياسة لعبة المدّ والجزر بين الجمهورين. تارة تجعلهما «حبايب» وتارة «خصوماً».

«الوثيقة عنوانها العريض سياسي، وأن لكل طرف حيثياته ومفهومه وفكره الخاص، فهما لم ينصهرا في بوتقة أو إطار واحد، بل لكل منهما خصوصيته»
لكن، مهلاً، هل قدّمت شيئاً على الصعيد الحياتي لسكان الضاحية مثلاً؟ يردّ حسين حمود، صاحب متجر في منطقة المشرفية، بالقول إنها «غيرت بعض الشيء»، مضيفاً «لا أنفي أنه في المدة الأخيرة زارني تجار مسيحيون لبعض الأمور التي تدخل في صلب عملنا، وبعد زياراتهم المتكررة، عرفت أنهم من محبّي المقاومة والسيد حسن نصرالله، ولا أظنّ أن مسيحيين من أطراف سياسية أخرى كانوا ليزوروا الضاحية أصلاً لولا هذا الشيء». لكن، ذلك لا ينفي أن «رهاب الضاحية منتشر في البيئة المسيحية عموماً، حتى لدى بعض المؤيدين للتيار الوطني الحر، حيث لم تستطع وثيقة التفاهم كسره، لأنها وثيقة سياسية فحسب».
فيما تجد رانيا قطايا، المعلمة في إحدى مدارس الضاحية، مبرراً لكلام حسين، إذ تعتبر أن «الوثيقة عنوانها العريض سياسي، وأن لكل طرف حيثياته ومفهومه وفكره الخاص، فهما لم ينصهرا في بوتقة أو إطار واحد، بل لكل منهما خصوصيته». فالكلام عن التحالف بين التيار الوطني الحر وحزب الله يجب أن «لا ينسينا أن الطرفين هما حزبان لكل منهما منطلقاته الفكرية وبيئته الاجتماعية وظروفه السياسية المختلفة عن الطرف الثاني». وحدها رانيا قالت: «بصراحة ومن دون مواربة»، إنها لا ترتاح لمخالطة المسيحيين، بغض النظر عن السياسة، «هم منفتحون ولا يوجد لديهم الضوابط نفسها التي نعتقد بها، لذا أفضل أن لا أحتكّ بأصدقاء مسيحيين كثيراً، تعوّدنا منذ صغرنا حين نطلق كلاماً جريئاً، أن تجيبنا أمي بـ»صايرة متل المسيحيي»، أو «شو رأيك تروحي تعيشي عند المسيحية؟». لذا علق في ذهن الشابة أن المسيحيين «هم البيئة التي إذا ما قررنا كسر القواعد وتجرأنا عليها، سنصير مثلهم، حتى أجدني اليوم مرتاحة أكثر مع أصدقائي من البيئة نفسها، بورقة تفاهم أو من دونها»، تختم بابتسامة.