بصوت كريستالي آسر، صدحت ليدي غاغا على مسرح «دولبي» في سهرة الأوسكار. نعم، أثبتت الأميركية المثيرة للجدل بعد ألبومها الأخير Cheek to Cheek أنّها تمتلك خامة نفيسة، إضافةً إلى كونها أيقونة في الإثارة وغرابة الأطوار. أداء ميدلي من الفيلم الأسطوري Sound of Music (عام 1965) لروبرت وايز بحضور بطلته جولي أندروز، سيبقى طويلاً في الذاكرة. ربّما يمهّد لأدوار مستحقة على خشبات برودواي قريباً.


افتتاح Sound of Music مع My Favourite Things وClimb Ev›ry Mountain و Edelweiss أشعل ذاكرة العالم. الأغاني نفسها التي صاغها الثنائي الشهير روجرز وهامرشتاين على برودواي عام 1959. ليس هناك أفضل من هذا التوقيت لفتح الصندوق العتيق: مرور نصف قرن على العرض الأوّل للكلاسيكية المرصّعة بخمسة أوسكارات، منها أفضل فيلم وأفضل إخراج (افتتح يوم 2 آذار (مارس) في نيويورك). هذه البيوغرافيا اقتبست مراراً عن كتاب ماريا فون تراب «قصة مغنّي عائلة تراب» (1949). مربّية تترك الدير، وتتوجّه إلى سالزبورغ في الألب النمساوي. القبطان البحري الصارم «فون تراب»، أرمل ينوء بحمل سبعة أولاد على كتفيه. ينقلب البيت المنضبط رأساً على عقب إثر حضور ماريا. يتعلّق بها الأولاد الباقون على ذكرى الأم الراحلة. الحب أمر متوقّع بين الكابتن والوافدة الجديدة، فيما الحرب العالمية الثانية تقرع الأبواب. مع هيمنة الرايخ الثالث، تأخذ القصة أبعاداً أكبر من الرومانس والميوزيكال. الألماني ولفانغ لايبناينر قدّمها في فيلمين متتاليين: «عائلة تراب» (1956)، و«عائلة تراب في أميركا» (1958). بلغة الدولار، النسخة الهوليوودية أنجح ميوزكال في تاريخ الـ«بوكس أوفيس»، وثالث أكثر شريط تحقيقاً للأرباح بعد «ذهب مع الريح» (1939) و«حرب النجوم» (1977). الإصدار الرقمي حقق قفزة مذهلة على هذا الصعيد. الجمهور العربي تعرّف إلى الحكاية من خلال الاقتباس المصري «حب أحلى من حب» (1975) لحلمي رفلة. نجلاء فتحي ومحمود ياسين لعبا الدورين الرئيسيين. أيضاً، حقق الأنمي الياباني المدبلج «لحن الحياة» (إنتاج 1991) نجاحاً هائلاً في عرضه العربي. «الآنسة صفاء» و«ربيع» و«ناظلي» نالوا شهرةً كبيرة في الأوساط العائلية. لا ننسى أيضاً مسرحية «موسيكا في الحي الشرقي» (1971 ــ إخراج حسن عبد السلام ومحمد فاضل، تأليف فهيم القاضي) التي ضمّت سمير غانم وصفاء أبو السعود وجورج سيدهم. حتى «الدادة دودي» (2008 ــ إخراج علي إدريس، سيناريو نادر صلاح الدين) يعود إلى الأصل النمساوي، ولو رفض بعض صنّاعه الإقرار بذلك. بالعودة إلى Sound of Music، يمكن تفهّم أسباب اكتساحه الجماهيري. وصفة الرومانس كوميدي مع الميوزكال والدراما العائلية نادراً ما تخفق. بصمة الأميركي روبرت وايز (1914 ــ 2005) صنعت الفارق مع سينماتوغرافيا تيد ماكورد. استغلال سحر سالزبورغ في المشاهد الخارجية المصوّرة بالهليكوبتر زاد الأمور روعة. في النقدي، انطوت الطبقات الأخرى على تلميحات سياسية واجتماعية حاذقة، ودروس في الحياة والبيئة. مثلاً، الانقلاب في شخصية الكابتن من دكتاتور في منزله، إلى مقاوم للقمع عند الدخول النازي، ما زال راهناً في القراءة والتحليل. ولكن، ماذا حلّ بذلك الفريق اللامع بعد خمسين عاماً؟ جولي أندروز (ماريا) لم تعد قادرة على الغناء منذ جراحة فاشلة في الحلق عام 1997. ما زالت تطلّ في بعض أفلام الأنيمايشن واللقاءات التلفزيونية من حين لآخر. كريستوفر بلامر (كابتن فون تراب) مستمرّ في مسيرته السينمائية بنجاح، خصوصاً بعد أوسكار أفضل ممثل في دور مساعد عن «مبتدؤون» (2010) لمايك ميلز. من الصامدين أيضاً، نعرف نيكولاس هاموند (فردريك) في السينما، وكيم كاراث (غريتل) في التلفزيون. كذلك، هيذر ميزيس (لويزا) التي ابتعدت عن الأضواء أخيراً، وأنجيلا كاترايت (بريجيتا) التي احترفت الفن التشكيلي. في المقابل، فضّل بعضهم الابتعاد عن متاعب المهنة. كاريمان كار (ليزل) كتبت عنوانين: «ليزل إلى الأبد» و«رسائل إلى ليزل». لاحقاً، اعتزلت التمثيل، وتفرّغت لتصميم الديكور وتربية ابنتيها في كاليفورنيا. دوان تشايس (كيرت) تابع الدراسة في جامعتي كاليفورنيا وألاباما. ها هو يعيش في سياتل، ويقوم بتصميم برمجيات في مجال الجيولوجيا. ديبي ترنر (مارتا) اتجهت نحو تصميم الديكور، وافتتحت شركةً لتنظيم المناسبات. تعيش اليوم في مينيسوتا مع زوجها ريك وأربعة بنات. هكذا، تزداد الكلاسيكيات الكبيرة بهاءً مع دوران عقارب الساعة. التعتيق الجيّد يحيل على عمليات الترميم والتحسين وأصول الأرشفة. هذا بحث آخر لا بدّ من الحديث عنه في وقت ما.