مثل جميع سكان «الأطراف» يشكو أهالي الجبل من التهميش ويحملون الحكومة مسؤوليته، والتهميش ليس جديداً على طرابلس. ثمة مشفى صغير ومستوصفات طبية بسيطة لكنه لا يحتمل وزر حرب. ينقل أهالي الجبل جرحاهم عبر اسعافات الجيش، إلى مستشفى زغرتا إذا ما تحمّلت الإصابة الانتظار. زاول أهالي الجبل الأعمال الزراعية، وتجارياً شاركوا في حركة السوق التي كانت مزدهرة في طرابلس، وقد كان لهم في التبانة أكثر من مئتي محل، دمّرتها الأحداث.


وكانت الحركة الاقتصادية جيدة في طرابلس وتحديداً في الشارع الفاصل بين التبانة وطرابلس والذي تحول لاحقاً إلى شارع قتالي تحكمه طلقات القناصين وقنابل الانيرغا. اليوم، تتشكل الحياة في الجبل من محال تجارية صغيرة، مصانع ألبسة، مقاه، أسواق شعبية لا تختلف عن أي منطقة سكانها من تلك التي يحاول أهلها الوصول إلى حافة الطبقى الوسطى. أما المدارس في الجبل فلا تتسع لكل الطلاب الذين يتوزعون على مدارس أخرى في طرابلس وزغرتا. ويتباهى أهالي بأن مجتمعهم متحرر مقارنة بأجزاء من محيطهم، والحديث هنا عن ذلك الجزء الذي فيه حجاب ولحى وينعدم الاختلاط. وللجبل جامع بقبة خضراء ومقبرة بشعارات سياسية كثيرة، لديهم شهداؤهم أيضاً تعرفهم من الصور وجدرانهم المطلية بالشعارات.
في السياسة، «آل عيد» هم المرجع السياسي لعلويّي جبل محسن، حتى وإن استنكر كثيرون هذه الوصاية، انها العائلة التي احتكرت التمثيل العلوي في الجبل لسنوات طويلة. شبكت تحالفاتها السياسية ونالت رضى مجلسها الديني. الزعامة بدأت مع علي عيد وامتدت مع ابنه رفعت، الذي يقال إنه سمي تيمناً برفعت الأسد أخ الرئيس الراحل حافظ الأسد. والعلاقة بين آل عيد وآل الأسد متينة، تعود إلى بداية حرب لبنان عندما تهجّر علويو جبل محسن إلى سوريا وعادوا إلى الجبل مع دخول القوات السورية إلى لبنان. علاقة بنتها هواجس الطائفة والقضية والخوف على الوجود. علي عيد «قدّم كثيراً للطائفة» بحسب شهادات كثيرين من أهل الجبل، وقد حاول ابنه متابعة المسيرة، لكن بعد الأحداث الأخيرة في طرابلس وإقرار ما عرف بالخطة الأمنية، توارى رفعت عيد عن الأنظار بعد طلب السلطات الأمنية من «قادة المحاور» تسليم أنفسهم. ترك رفعت عيد الجبل من دون «قائد ميداني»، ليبقى القائد الأكبر هو الرئيس السوري بشار الأسد. وولاء آل عيد لآل الأسد مقدّس، يشبه ولاء أهالي الجبل الذين يرون في النظام السوري القلعة الحصينة في محيط مختلف طائفياً، يخافون من إمارته الإسلامية. ولاء يترجمه أهالي الجبل بالصور والشعارات المغروسة في كل شارع، صور بشار الأسد بحالاته كافة، وصور لماهر وأبيه الراحل، كذلك صور لعلي عيد ورفعت عيد وهو يصافح بشار الأسد، صور تنضح بالولاء وشعارات مبايعة لـ«قائد الأمة»! عملياً، يقدّر عدد العلويين في جبل محسن بأربعين ألفاً ويشكلون حوالى ستين في المئة من علويي لبنان الذين اعترفت بهم الدولة اللبنانية كطائفة إسلامية عام 1936. في بداية الخمسينيات أنشئت «الرابطة الخيرية الإسلامية العلوية»، ومن بعدها قام علي عيد، والذي تحوّل لاحقاً إلى الشخصية الأبرز في جبل محسن، بإنشاء فريق رياضي سرعان ما تحول في بداية السبعينيات إلى «حركة الشباب العلوي»، ويقال إنه تلقى دعماً من رئيس الجمهورية وقتها سليمان فرنجية ومن الامام موسى الصدر الذي كان له نشاط قوي في المجتمع العلوي، إذ عرض وقتها ضم العلويين إلى الطائفة الشيعية وإعطاءهم من حصتها في التمثيل. عرض لم يلق قبولاً حينها. مع حركة الشباب العلوي علا صوت يطالب بإعطاء العلويين حقهم، إذ كان ممنوعاً على العلويين تولي وظيفة حكومية او الانخراط في المؤسسة العسكرية ما اضطر بعضهم إلى تغيير مذهبه، وبعضهم كان يحمل عبارة سني ــ علوي على الهوية. بقيت حركة الشباب العلوي مطلبية إلى أن اندلعت الحرب وفرضت قوانين أخرى على الحراك في البلد، وتحولت الحركة إلى تنظيم وخفت صوت المطالب ليعلو صوت الحرب. عام 1980 أسس علي عيد «الحزب العربي الديمقراطي». لم يشارك العلويون فعلياً في اللعبة السياسية إلا بعد إقرار اتفاق الطائف بحق «الطائفة» في مقعدين نيابيين، شغل علي عيد أحدهما بالتعيين. مذاك، بدأ العلويون دخول المؤسسة العسكرية والمجالس البلدية، وعام 1994 تم تجنيس 12 الف علوي. في رأي كثيرين كانت تلك «نقطة تحول» أخرى، مرحلة لفصل جديد من التاريخ في الجبل. حتى اليوم، يتبع العلويون في أحوالهم الشخصية المحكمة الجعفرية، وهو، على عكس الشائع، أمر يرفضونه. يريدون الانفصال عن الطائفة الشيعية لتكون لهم فرادتهم «على الطريقة اللبنانيّة»، كأن تكون لهم محاكم خاصة تنظم شؤون طائفتهم بدورهم.
غير أن ذلك كله شيء ــ وكما يعرف الجميع ــ العلاقة بين الجبل والتبانة شيء. بينهما شارع يعرف باسم شارع سوريا. يقرع الاسم جرساً ما في الأذنين، ولكنه مجرد خط يفصل بين منطقتين تتصارعان منذ السبعينيات وحتى اليوم. شارع سوريا أو شارع معارك سوريا في لبنان. والصراع بين الجبل والتبانة قديم ومع بداية الحرب في لبنان، وقد شارك أهالي الجبل في الصراع السوري-الفلسطيني بين الاسد وعرفات، وتحالف أهالي الجبل بقيادة علي عيد مع الجيش السوري في الحرب مع أهل التبانة المتحالفين مع منظمة التحرير الفلسطينية وجيش لبنان العربي والمقاومة الشعبية بقيادة علي عكاوي. هذا تاريخ لم ينته بعد هناك. فيما مضى، أسس العلويون جناحاً عسكرياً للحزب العربي الديموقراطي أطلقوا عليه اسم «الفرسان الحمر»، واستمر القتال عنيفاً، ونشأت التحالفات بتسمياتها وأحزابها المتعددة، وبقي أهالي الجبل يساندون النظام القوات السورية في حروبها اللبنانية، والتي كانت أقساها مجزرة التبانة التي وقعت عام 1986. مجزرة حاضرة في ذهن أهالي طرابلس الذين يتهمون مسلحين علويين من الجبل بمشاركة القوات السورية بتصفية 700 مواطن من أهل التبانة، رغم أن أهل الجبل ينفون أي مشاركة بها، غير أن الذاكرة انتقائية في الجهتين، على غرار جميع الذاكرات التي ارتبطت بالقتال الأهلي اللبناني. وبعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، استيقظت ذاكرة الحرب، ولم تنم بعد. بين التبانة والجبل، الحرب مستمرة بجميع وجوهها البغيضة: خطوط التماس، القناصون، والطائفة، والهويّات القاتلة.