تسند السيدة العجوز ظهرها إلى نصف الحائط، الذي سلم من جولة الاشتباكات الأخيرة في باب التبانة. تفرد عدّتها الصباحية: ركوة القهوة، الفنجان «البدّواي»، منفضة السجائر... وعلبة «السيدرز». ترتشف قهوتها على مهل وتطفئ أعقاب سجائرها في المنفضة، واحدة تلو الأخرى. هناك، عند النصف المتبقي، تصرف العجوز، التي صار لها من العمر سبعين، صباحاتها... الطارئة، بعدما «طارت» النافذة، الذي كانت تركن إليها مع طلوع الشمس. طارت في اشتباكات الحي الأخيرة، وصارت فجوة ضخمة تعرّي تفاصيل فقرها.


على مقربة من البيت المفلوشة أحشاؤه، ثمة بيت آخر فقد نافذته. لا يهمّ في أية جولة حرب. فالمهم هنا أن البيت عار وصباحاته زائفة. هذا ما تقوله القاطنة هناك. لم يعد شروق الشمس مغرياً، فـ»القهوة بلا شباك بيطلّ على الناس ما إلو طمعة، متل كأنّك بالمدينة بين أربعة جدران». قد تكون وظيفة هذا الشيء إيصال الضوء لا أكثر. هذا بالنسبة لنا نحن العاديين. أما لسكان باب التبانة، فهذا الشيء هو «النَفَس». هكذا، ببساطة. تسأل صاحبة النافذة : «أدَيش البحر بعيد عن باب التبانة؟ بلا الشباك، صرت بحس الدني بعيدة هلقد».
اليوم، في باب التبانة، لم تعد مهمة لقمة العيش بقدر اهتمام الناس بتأمين نافذة فقدتها معظم المنازل. فعندما زارت بعثة من الصليب الأحمر الحي لتسجيل احتياجات الناس فيه، كان المطلب يتيماً: شبّاك أغلقته الحرب إلى غير رجعة. لكن، مع ذلك، لن تشبه شبابيك بيوتهم، التي كانت تشبه شبابيك بيروت العتيقة. فأول شيء طار مع القديمة «الحميمية». هم يقولون ذلك.
هناك، سيصير الحي كتلة واحدة بلا روح.




«إنّ ما نستطيع رؤيته في وضح الشمس لهو، دوماً، أقل أهميّة مما يجري وراء النافذة. ففي هذا الجُحر الأسود أو النُّورانيّ، تعيش الحياة، تتألّم الحياة».
(بودلير)