«هذه ورودك عبير وقد عادت إليكِ»، كنت أقول عبارتي، مستعيناً بعبارة والدة نيكوس كازنتزاكي في كتابه «تقرير إلى غريكو»، عندما كان صوتها العذب مشبعاً بالعاطفة، وهي تنظر إلى زوجها وتغنّي: «يدهشني أن الشوارع لا تُزهر حين تسير عليها». أعترف بأن عبير وهذا الكتاب قد أنقذا حياتي في تلك الأيّام الصعبة. كأن قرناً مضى على تلك الحياة التي لم تكن حياة صالحة للحياة لولا الحبّ. حينذاك، لم أكن ـ وأنا اليساريّ اليافع ـ قد تعافيت تماماً من صدمة اجتياح جيش علي عبد الله صالح وقبائل الشمال لمناطق الجنوب اليسارية منتصف عام 1994.


كما، لم تكن عبير قد تعافت من تبعات غزو العراق للكويت حيث ولِدت هي وعاشت، الأمر الذي دفع بأهلها للعودة إلى الوطن الأم. هي قادمة من حرب وأنا خارج من أخرى. كأن الحروب صارت مؤرّخة لحياتينا وأرشيفاً لها. صرنا نوّثق قصصنا العاطفيّة بتواريخ الحروب. وكل شيء، حتى دراستنا الجامعية.
دخلنا الجامعة، وفي قلب كل واحد مِنّا حرب مطابقة بتفاصيلها لتلك التي نراها في فيلم هندي حزين ـ كان يُعرض مساء كل يوم جمعة على شاشة التلفزيون الحكوميّ ـ خالٍ من أية مشاهد تدل على الحب. ثمة عملية اغتيال لهذا الحبّ، مبرمجة على يد رقيب مخلص وغير متهاون وناجح في عمله لدرجة شعورنا أنهم يعرضون فيلماً واحداً كل جمعة. الفيلم نفسه. لم يكن هذا الأمر مصادفة. كان يبدو تابعاً لفكرة التنميط التي يسعون لتثبيتها في عقول أفراد المجتمع وتحويلهم لقطيع بلا قلب أو عاطفة. في البيت والشارع والجامعة التي صارت تحت سلطة الإخوان المسلمين. وهؤلاء كانوا اليد التي استخدمها النظام السابق في اجتياح الجنوب تحت شعار «تطهير مدينة عَدن من رجس الاشتراكيّة الملحدة». وهي اليد نفسها التي مارست الرقابة على أخلاق الناس في البلاد كلّها، لمنعهم من دخول رذيلة العشق.
مِن حُسن حظنا، وقتها، أن قسم اللغة الفرنسية كان مستقلاً عن إدارة الجامعة ومبناه خاص ومعزول نسبياً عن باقي مباني الكُليّة، وتشرف علينا «الملحقيّة الثقافية» في السفارة الفرنسية. كانت لنا حياتنا الخاصة ونظامنا الدراسي المختلط، في حين تقع باقي أقسام الكليّة تحت سلطة عميد أنهى دراسته في معاهد السعوديّة السلفيّة ويعتقد أن دخول الجنّة لن يتم إلا عبر توقيفه لعاشقين بريئين وهما يتبادلان وروداً حمراء في عيد العشّاق. وفي وقت كانت أستاذة الأدب الفرنسيّة الجميلة تقرأ لنا نصوصاً من «شذرات من خطاب في العشق» لرولان بارت، كُنّا نتابع من نافذة المبنى جماعة الدفاع عن الله في الكُليّة وهم يحلقون رأس طالب عربي ضبطوه يقدّم وردة حمراء لطالبة يمنيّة. حينذاك، قمنا بتعليق شارات حمراء، فأطلقوا علينا تسمية «أصحاب الرايات الحُمر» في استعادة منهم لدلالة جاهليّة تشير باتجاه أهل البغاء.
حينها، كان لا بد من اتخاذ جملة احتياطات، منها مثلاً الوقوف في المسافة الفاصلة بين مبنى الكُليّة الرئيسي ومبنى القسم. أضع ورودي الحمراء في حقيبة، أفتحها حال وصولي منطقتنا المحميّة بسلطة «الكفار» الفرنسيين.
هكذا، سار حُكم «الإخوان» على الجامعة والمجال العام. حروب متواصلة ضد العشّاق، إلى أن سقطوا أيلول الفائت بأيدي الحوثيين. لم يتأخر القادمون الجدد في إظهار رغبتهم المُبكرة في تشويش حياتنا، حيث يظهر مضمون الرسالة من عنوانها. لقد سبقوا عيد العشّاق بإنزال أسباب إثارتهم الجنسية من على واجهة بيع ملابس النساء الداخليّة.
أتذكر هنا عبارة قالها «العاشق» عادل إمام للفاتنة سعاد حسني في فيلم «حُب في الزنزانة»، مع خلفية موسيقية حزينة لعمّار الشريعيّ :»إحنا داخلين على أيّام سودا». بالنسبة لي، فقد دخلتها وانتهى الأمر حيث فقدت الأمل في الأمل.
كم أتمنى الآن الذهاب إلى مبنى قسم اللغة الفرنسية وأضع على بابه وروداً حمراء تحيّة لذكرى تلك الأيّام الجميلة التي مضت ولن تعود ثانية.
(صنعاء)