غنى خالد الهبر «من زمان كثير» أغنية، يحاول فيها ان يكتب اغنية عاطفية، لكنه يكتشف انه غير قادر على الحب لأن «القصة كبرت»، ولأنها «قصة وعي سياسي»، وينتهي إلى التصريح: «حبي هو الجماهير، وغرامي القضية»، ثم يحسمها مع محبوبته المفترضة: «صيري انت الجماهير والفئات الشعبية، لأكتبلك غنية...».

الأغنية معروفة لدى عدد كبير من جيل الحرب الأهلية وجيل ما بعد الحرب الأهلية في التسعينيات. وهي كانت ملائمة تماماً لتلك المرحلة، حينما كان معظم الشباب منغمساً في الحرب وزمنها، وسكنت الحرب عنوة، بالاحتلال، جميع قصص الحب آنذاك.

وفعلاً طغت السياسة على الحب في عدد كبير من الأغنيات اليسارية، فحُمّل الحب اثقالاً سياسية ومواقف وطنية، أو بالأحرى جرى التعبير بالحب عن حال التشرذم والضياع التي تسببت بها الحرب آنذاك، كما في اغنية مارسيل خليفة «الكاس والقنينة»، التي يقول فيها: «حبيتك كنا جيران تهجرنا وصرنا عدوان... حرقولي بيتي الإخوان وحياتك مني زعلان، اللي مزعلني انكرتيني». كان الحب حاضراً مع الحرب. كان حاضراً مع الطائفية، مع العنف، مع الدماء المسفوكة، مع الخطف على الهوية، مع التهجير، مع الدمار والنار والأشلاء. كان الحب متقدماً في كثير من الأحيان. كانت الأغنية قادرة على الدمج بين موضوعه وموضوع الحرب، ولو من باب إعلان فشل الحب أو الفشل في الحب (كما في اغنية الهبر).
انتهت الحرب، واتى السلم الأهلي واستطاع الحب ان يتنفس أكثر. ثم عدنا إلى الحرب الأهلية الباردة، وتخلل ذلك حرب اسرائيلية حامية في تموز 2006، ثم بروفا لحرب أهلية حقيقية في أيار 2008، وبقي الحب حاضراً في روح الشباب، مشوهاً بالوضع السياسي المضطرب، لكن مقاوماً له، ولو بالسخرية الذكية على طريقة زياد سحاب: «ما بفهم بالسياسة، مش حابب وجع راسي، بحضر نتفة اخبار، بستنتج مني حمار، بوصل لنتيجة وحدة: نيال اللي لاقى وحدة، يحبا وتحبه ويبقوا رغم الوضع الإقليمي»...
على الرغم من الوضع الإقليمي، بقي الحب حاضراً في الأغنية الذكية، الهادفة، من دون أن يهبط إلى مستويات مقلقة، كما هي حال برميل النفط، أو كما هي الحال مع أغنيات «سوقية» كثيرة غزت الأسواق والإذاعات اللبنانية بالتفاهة والسطحية والفجاجة اللاأخلاقية. في زمن داعش وأخواته، لا يزال هناك بعض بقع الضوء على مساحة الظلام الممتدة على خريطة المنطقة. لا يزال الغناء مادة قادرة على مواجهة العنف في افظع صوره، كما فعلت فرقة «الراحل الكبير» في تجربتها المميزة، حينما قدمت أغنية تسخر من داعش وأبي بكر البغدادي. لا يزال الحب قادراً على الحضور، ولو خجولاً، في المشهد الدموي. لا يزال هناك عيد للحب في هذه البلاد. كيف لا، و«الحب كلب من الجحيم» على ما يقول الشاعر الأميركي شارلز بوكوفسكي، وكان يقصد الجحيم كمفهوم شعري مستمد من المفهوم الماورائي للعذاب. تلك على الغالب كانت استعارة من بوكوفسكي. استعارة تمكن استعارتها لنسبها إلى الجحيم الذي نعيشه اليوم.
جحيم، على الرغم من مشعليه، لا يزال الحب فيه كلباً جريحاً قادراً على النباح!