كل ما يتذكره من ذلك الماضي هو الصوَر المعلقة. كانت مصدر رعب بالنسبة له ولجميع أبناء جيله. يتذكر أيضاً الطابور الذي كان يتناوب عليه، هو وأشقاؤه الخمسة، منذ الصباح الباكر وحتى المغيب. الساعات الطويلة خلف أبواب «الجمعية الاستهلاكية» كي ينالوا «حصة تموينيّة». نحن في سوريا الثمانينيات الآن، وكان صديقنا، الذي نتحدث عنه، ولا نسمّيه، طالباً في المرحلة الإعدادية.


آنذاك، لم تكن البلاد تعافت بعد من رائحة الدم، التي سوّرت مدينة حماة، إثر دمارها، بعد النصر التاريخي وسحق «عصابة الإخوان المسلمين العميلة»، بحسب الشعار الذي ردده مئات الآلاف من الأطفال السوريين في مدارسهم كل صباح. وكان واحداً منهم، يردد الشعار مع المرددين. وكان يؤمن بصلاة الصبح: «ركعتان ضحى» بعد أن ترتفع الشمس بمقدار رمح في حضن السماء.
وذات مرة، أخذ الطريق إلى الشارع العريض في قريته، مع شهقات الفجر الأولى. في الطريق أصابته اللحى التي صادفها بتأنيب الضمير. لحى في طريقها إلى المسجد. خرج وأخذ يمشي بنشوة الهارب. مع وصوله للدوار الكبير حيث كان يجتمع «عمال المشتل»، ويوقدون ناراً بما تيسّر لهم من قمامة، وينتظرون باص المبيت، تغيّر المشهد فجأة. اخترقت سكون الضباب صبية كالساحرة. كان لجلبابها الطويل وحجابها المحكم وقارُ حكيم، وكان لصوت كعبها على الأرض رنة، رنة تستحضر جرعة شبق كافية لإيقاظ كل جموحه المتراكم. مرت سنين أو أكثر، ولم يغب المشهد عن باله. في ذلك الفجر مرت لحظات طويلة حتى صارت بقربه. لم تتمكن بدورها من حبس ابتسامتها الهادئة لمواجهة تحديقه الحاد. وعلى خلاف كل الأعراف والتقاليد، التي سيطرت على تلك البقعة من الأرض، استجمع قواه وتمتم: «صباح الخير»، فردّت، على عكس السائد في ذلك الزمان والمكان. أكمل طريقه وصار ينتظرها كل صباح.
قالت له لاحقاً إنها طبيبة، فقال لها إنه يحبّها. أخبرته أنها تحب زميلاً لها، فأخبرها أنه سينتحر. لم تبد تعاطفاً ملائماً، بينما تابع ملاحقتها كل صباح: يراقب النار حول الأطفال ويكتب لها القصائد، يعذّب نفسه. ذات مرة أهداها تفاحة، فلم تعرف أنها حواء. بقيت الحال على ما هي عليه حتى تزوّجت. انقطعت أخبارها، وأخيراً عرف أنها سافرت إلى باريس. لقد طحنت الحرب كل شيء، وكان لا يزال هو نفسه. القلب ذاته وقليل من الشيب الذي غزا لحيته باكراً، وكثير من الدماء تغطي جسده بعد أن بترت ساقه بتفجير سيارة مفخخة ركنت قرب تشييع بضعة شهداء في مدينة دوما بريف دمشق. وذات يوم، مرّت بمريولها الأبيض. عرفته من بريق عينيه وعرفها من ابتسامتها الدائمة. هما الآن سوريان يعيد الحزن الأبكم خلقهما. التقيا أخيراً... في «مشفى ميداني». فقدت عائلتها ببرميل أسود فعادت إلى حيث هي اليوم، وهو فقد ساقه بعد أن هدم منزله، ومات نصف أهله. لك المجد يا وطن العشاق.