في اقتصاد السوق، تترسّخ معادلات أخرى للحب. لا «نوستالجيّات» هنا. الواجهات التي تزدان بالأحمر في حضرة «الفالنتاين» لها وظيفة أخرى غير تحفيز المشاعر... الجيّاشة. فهنا، الحبّ علب هدايا و»دباديب» و»تفريعات» وأكسسوارات... وتذاكر سفر وأقراط ذهبية وحجوزات مطاعم وفنادق في المدينة وخارجها. هكذا، يصبح الحب سلعة، تختلف قيمتها باختلاف طبقات المجتمع. وتستحيل معها قصص الحب «طبقية». تماماً كما صورة المدينة.


يخلق عيد الحبّ احتمالات كثيرة للمقبلين إليه، بعد أن يصير طيّعاً لـ»المصالح العامّة». احتمالات يرسّخها السوق، حين يصير الإقبال عليه وفقاً لقدرات الناس المادية. وتبدو هذه الاحتمالات واضحة للعابر في شوارع طبقات العامّة، الغنية منها والفقيرة. وللأخيرة فلسفتها الخاصّة في هذا العيد، إذ يفضّل «أبناؤها» الخروج من عروضات السوق، مقتنعين بأنّ للحبّ غواية أكبر من الواجهات الحمراء. غير أنهم، وبالرغم من «زهدهم» في تبادل هدايا العيد، يذهبون إلى ما هو رمزيّ منها. البعض تستهويه فكرة الورد الأحمر الذي أمسى رمزًا لـ»الفالنتاين»، أو شراء صندوق صغير يحوي تحفاً وإطارات صور ومحفظة جيب و»قدّاحة» وبعض الأكسسوارات. وآخرون يفضلون الهدايا «الأنتيكا»، كتسجيل مقطوعات موسيقية على الأسطوانات الدائرية أو على شريط الكاسيت الصغير، الذي يضمّ بعض أغاني الحبّ ومعزوفات كلاسيكية، فيما تغري البعض الآخر «تفريعات» الساتان الحمراء المعلّقة على الواجهات. تلك المتوافرة في متاجر الأحياء الفقيرة بأسعار زهيدة.
الفارق الطبقي في البيئة اللبنانية، تغذيه عروضات المتاجر في السوق، فترسّخ لدى أفراد هذه البيئة فكرة «السخاء» الواجب في «الفالنتاين». حتى إن بعض الناس، وبرغم عدم قدرتهم على الامتثال لإغراءات الواجهات الحمراء، يصنعون الوعود للأيام المقبلة، بأن ترفق بهدايا على قدر «درجة» الحب الذي يجمع الطرفين، فيما تكاد تكون هذه المعادلة مجحفة. ويبدو هذا الفارق جلياً بالعبور في مناطق البيئات الغنيّة في موسم العيد، فيخال للمتجول في منطقة وسط البلد مثلاً، أن لا عيد للحبّ هنا. الحبّ في متاجر المنطقة مطبوع على «الشيكات»، وفي نشوة العطور الفرنسيّة. الحبّ هنا يتجوّل على مركب في ميناء إسطنبول، وفي مذاق أطباق المطاعم الإيطاليّة. ويختار الثنائي في هذه البيئة الخروج من دائرة «المألوف»، في محاولة منه لإيجاد طرق تعبيرية تتماهى مع المستوى الطبقي الذي ينتمي إليه، فيشبع شبق الحبّ بالبذخ عليه. كطوق ألماس يلمع على صدر امرأة ليلة العيد. أما البقية، فيرون أن الذوق الكلاسيكي المفرط الذي تفرضه بعض المتاجر على مشهدية المدينة في الفالنتاين ليس إلا «كليشيهاً» مجترّاً، ويفضلون الانسحاب من «إغراءات» الهدايا، والتماهي مع الذوق الصوفيّ في التعبير عن الحبّ، الذي وجد له تراكيب جمالية تدلف إلى قصص العشّاق وتلبس أرواحهم. فيتبادلون الحب بمقاطع غنائية لقصائد ابن الفارض ومحيي الدين ابن عربي والحلّاج.
يجد الحبّ سبله في تباينات الطبقات الاجتماعية. قد يذهب بأفرادها في جولة إلى أوروبا أو حتى مشوار إلى الكورنيش. وقد تغري النجوم «المفلوشة» في السماء سهرة العاشقين، فيما تشدّ نجوم الفنادق الليلية عاشقين آخرين. حتى يصبح للحبّ في هذا العيد قابلية للتماهي مع تفاصيل حياة الأفراد. فيمتّع أناسه، على اختلاف طبقاتهم، بالغواية نفسها التي يصنعها حين حدوثه.