قد يكون الملاكم الاسطوري محمد علي كلاي المثال الاشهر تاريخياً حول العذابات التي يتكبدها الرياضيون من اجل بلوغ اعلى المراتب. في احد الايام سأله صحافي عن عدد تمارين المعدة التي يقوم بها يومياً، فكانت إجابته درساً رياضياً: « أنا لا أقوم بعدّ تمارين المعدة التي أقوم بها إلا عندما يبدأ الألم، لأنه لا شيء يُحتسب إلا عندما تتألم».


الحال نفسه يعيشه لاعبو كرة القدم في عصرنا الحالي، اذ يحمل الجانب البدني، والتدريبات المرهقة التي تعذّب الجسم اهمية كبيرة بالنسبة اليهم لكي يظهروا بالصورة المناسبة امام العالم. وهذا الامر بات اساساً في عالم المستديرة، حيث الغلبة لمن هم في جاهزية بدنية عالية، تترافق طبعاً مع الجانبين الذهني والبدني. وبالتأكيد هذه كانت نقطة قوة المنتخب الألماني في كأس العالم 2014، وقد قرأها كثيرون، اولهم نادي ارسنال الانكليزي الذي سارع الى التفاوض مع مدرب اللياقة البدنية في «المانشافت» شاد فورسيث لإعداد لاعبيه. فهذا الرجل غير المألوف اسمه كان له دور كبير في انتصارين للمنتخب الألماني في المونديال الاخير: الأول على نظيره الجزائري في دور الـ 16 بعد تمديد الوقت، حيث ظهرت لياقة لاعبي «المانشافت» وكأنهم في الدقائق الاولى من اللقاء. اما الانتصار الثاني، فكان أمام المنتخب الفرنسي في ربع النهائي بعد 4 ايام.

3000 حركة يومياً
كان معدل تمارين المعدة التي قام بها رونالدو عام 2009


ويكمن دور فورسيث في الأرقام المذهلة التي حققها المنتخب الالماني، حيث كان معدل المسافة التي قطعها اللاعب الواحد في الفريق 7.5 كلم في المباراة أمام فرنسا، كما أن المسافة التي قطعها المنتخب الألماني ككلّ في مباريات الدور الأول وصلت إلى 113.8 كلم. ولم تكن معرفة هذه الامكانات البدنية الكبيرة للمنتخب الألماني على نحو عبثي، بل بطريقة علمية، فقد وضع في الحذاء الرياضي لكلٍّ من اللاعبين جهاز تعقب يتيح معرفة وقياس دقات القلب والمسافة التي قطعها كلٌّ منهم. وتجري مقارنة هذه المعطيات من مباراة إلى أخرى، وبين تدريب وآخر لاستدراك تطور هؤلاء اللاعبين عبر نجاحهم في تكرار التمارين نفسها بسرعة أكبر ومع دقات قلب منخفضة.
وتعدّ التدريبات البدنية المرهقة جزءا من التدريبات الجماعية لفريق كرة القدم، وهذا ما يشير اليه كريغ فريدمان، وهو احد البارعين في هذا المجال، الذي يشغل اليوم منصب مدير فريق ابتكار الأداء في «Athletes› Performance»، وهي شركة تُعنى بالنهوض بالرياضيين، بعدما كان المختص بأداء المنتخب الألماني خلال مونديال 2006. ويرى فريدمان أن أفضل لاعبي العالم هو الارجنتيني ليونيل ميسي، ويعلل ذلك بأن الاخير يبدو أسرع حين تكون الكرة بقدميه/ من المدافعين الذين لا يملكون الكرة، لكن ما يقوم به ميسي يتطلب منه قوة كبيرة في الكاحلين والوركين والجذع، وإلا فإنه سيتعرض لإصابات شديدة الخطورة، اضافة إلى أنه يحتاج إلى توجيه كل هذه القوة في اتجاه واحد، وهذا ما يجعل من نجم برشلونة الاسباني صاروخاً في لحظة انطلاقه ويمنحه قدرة عالية على المراوغة. وبالطبع للحفاظ على هذا المستوى يقوم ميسي بتدريبات إضافية تتعلق بسرعة تغيير الاتجاه والثبات وسرعة رد الفعل.
ولا ينافس «البرغوث» في هذا الاطار سوى أفضل لاعب في العالم البرتغالي كريستيانو رونالدو، الذي قال مدربه السابق في مانشستر يونايتد الانكليزي، «السير» الاسكوتلندي اليكس فيرغيسون إنه كان يراه يتدرب طوال الوقت.
ولا يبالغ «فيرغي» بالتأكيد لان رونالدو مهووس بالتمارين، وخصوصاً تلك الروتينية منها والمتعلقة باللياقة البدنية. ويشير أحد التقارير إلى أن معدل ما قام به رونالدو من تمارين للمعدة في اليوم الواحد لعام 2009 كان 3000 حركة، وهذا يحتاج إلى ساعة كاملة يومياً للقيام بها. ومن خلال صوره الاخيرة لا يبدو أن «سي آر 7» غيّر هذه العادة، وسط تدرّبه حوالى 4 ساعات في الملعب يومياً، فضلا عن التمارين البدنية الاخرى لتنمية عضلات معينة. وكل هذا يترافق مع حرمان النفس السهر والاطعمة غير الصحية.
واللياقة البدنية ليست وحدها ما يميز اللاعبين الكبار، فاللقطات الفنية التي يتمتع بها الجمهور في المباريات هي نتاج تدريبات مرهقة، اذ يقول كابتن انكلترا سابقاً ديفيد بيكام، الذي يعد من أهم مسددي الركلات الحرّة عبر التاريخ: « لقد سددت عشرات آلاف الكرات، بل مئات الآلاف، وكنت أذهب الى الحديقة العامة وأحاول إصابة سلك يمرّ فوق نافذة لكوخ صغير، وعندما كان يعود والدي من العمل كنت أذهب معه الى الملعب، فيقف أمام المرمى ويجبرني على تسديد الكرة حوله لاصابة المرمى».
ببساطة الفطرة الابداعية الكروية ليست كافية، فالموهبة تحتاج إلى صقل، ومن ينسى حركة رونالدينيو التي أطاحها ميشال سالغادو يوم فاز برشلونة على ريال مدريد 6-2. تلك الحركة وصفت بـ «المطاطية»، لكن تنفيذها لم يكن وليد الصدفة، بل احتاج افضل لاعب في العالم سابقاً إلى خمسة تدريبيات يومية صعبة هي: وضعية القرفصاء، تمديد الساق، قوة اندفاع العضلة، تبديل القدمين وحمل الاوزان مع فترات عدو متقطعة.