هي قصةٌ حقيقية لفتىً أراد منذ اليوم الأول الذي شعر فيه بقساوة عظامه أن يصبح لاعب كرة قدم، لكن ليس في أي مكان، بل في بلده الأم، قبل أن يكتشف أن العذاب الذي عرفه في الملعب لسنواتٍ عدة، سيتحوّل إلى عذابٍ أبديّ يرافقه في حياته كلها.

القصة بدأت يوم تابع في التاسعة من عمره نهائي كأس العالم عام 1990. بُهر بالأسطورة الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا، وسحرته انطلاقات الألماني أندرياس بريمه على الجهة اليسرى، وثقته بنفسه لدى تسجيله ركلة الجزاء التي حملت لقباً عالمياً ثالثاً للألمان.

لشدة تأثره بالثنائي «الأشوَل» المذكور، شرع في لعب الكرة بالقدم اليسرى، فبات يحمل القلم على مقاعد الدراسة باليد اليمنى ويركل الكرة في ملعب المدرسة باليسار.
لكن ملعب المدرسة كان محدوداً بالنسبة إليه، فهرب منه إلى ملاعب الأندية المجاورة لمنزله. ملاعب عرف أنه سيجد فيها أولئك اللاعبين الذين لطالما أراد أن يكون مثلهم بالدرجة الأولى، على اعتبار أنه في ذلك العصر لم تكن الفضائيات حاضرة على شاشات التلفزيون في المنازل، فكان نجوم اللعبة المحلية الأسماء الأشهر والمثال الأعلى.
في اليوم الأول الذي انتظر فيه بداية الحصة التدريبية، بدأ يكتشف «الكذبة» التي يعيشها. هناك وقف أحد أفضل حراس المرمى في تلك الفترة على مدخل الملعب حاملاً قفازيه استعداداً للتمارين ويتفاوض مع زبون كان في عجلة من أمره. أما مادة التفاوض، فكان عنوانها «تربيعة»، أرادها الزبون لسيارته بأسرع وقتٍ ممكن من الحارس – الميكانيكي الذي يعكس تعب يديه عن قرب أنه يعمل في تلك المهنة، فيجهد مستخدماً إياها طوال اليوم لتصليح السيارات ثم يذهب لاستعمالها في لعب الكرة عند نهاية عمله.
لم يتوقّف ذاك الفتى عند هذه الحادثة، ولو أنه شاهد بأمّ العين في نهاية الأسبوع وخلال مباراة في دوري الدرجة الأولى، مشجعاً يتهم من المدرجات الحارس نفسه بالغش لبيعه «تربيعة» غير صالحة!
حبّ الفتى للكرة أعماه عن كل سيئاتها في لبنان، فأراد استكمال المسير، ليجد نفسه «ابن العرب» الوحيد (كما أُطلق عليه) في فريقٍ أرمني، حتى جاء أحد المسؤولين طالباً من المدرب عدم إشراكه في المباريات عندما يكون أعضاء الإدارة حاضرين في الملعب، لأنه في نهاية المطاف يحمل هذا الفريق اسم البلد الأم الذي نشأ على أساسه النادي.
رفض بطل هذه القصة التوقيع على كشوفات النادي المذكور بعدما عرف الحكاية من مدربه، وذهب للانضمام بعد سنوات إلى نادٍ أحبّه منذ الصغر. لكن هناك عاش تجارب أخرى أيضاً في موازاة دخوله الجامعة في سن السابعة عشرة، حيث أهمل الحضور إلى الصفوف لحساب خوض التمارين في فترة بعد الظهر، فكان مصيره الطرد من الجامعة التي، للمفارقة، تحمل اسم النادي الذي وقّع معه. لم يتعلّم الدرس، فذهب للخضوع لامتحان دخول في جامعةٍ أخرى لاختصاص لا يتضارب مع الكرة، لكن قبل يومٍ على الامتحان انتهت مباراة ودية لفريقه بتضاربٍ مع لاعبي الفريق الآخر، الذي كان مسؤولاً عنه أحد الأساتذة المكلفين إجراء الامتحان، فلا لزوم للحديث عن النتيجة...
أخيراً، تعلّم الدرس مع تخطيه سن الرشد وبلوغه نضجاً كافياً يمنحه القدرة على تحليل كذبة اسمها لعب كرة القدم المليئة بالعذاب والقاتلة للمستقبل، فكان كافياً طلب والده إليه إجراء مقارنة بين أخوين جارين أحدهما لاعب كرة عاش دائماً آلام الإصابات ووجد صعوبة في إيجاد عمل بعد اعتزاله، والآخر ترك اللعبة، رغم أنه كان يفوق شقيقه فنياً، وذهب لإكمال دراسته وتأمين مستقبله من مهنة رفيعة المستوى.
تركها لاعباً وأكمل علمه، لكنه لم يتمكن من الابتعاد عنها. هو الآن يرتبط بها بطريقةٍ أخرى، ويتأكد يومياً أنه أخذ القرار الصحيح، وذلك في كل مرّة يرى فيها في عيون الكثير من اللاعبين الندم وما عاشه يوماً.