غزّة | سبع محاكمات أشبه بمسرحيات هزليّة تعرّضت لها الأسيرة الفلسطينية لينا خطاب (18 سنة ــ الصورة) بينما تقبع خطاب في سجن «هشارون» تحت رحمة الاستخبارات الإسرائيلية المتنكّرة بزيّ القضاء. منذ أكثر من شهر، تعيش الطالبة في كليّة الإعلام في جامعة «بيرزيت» تحت وطأة الترهيب الصهيوني ومسلسل تثبيط المعنويّات.

مكبّلة بالأصفاد بقدميها ويديها، تحضر خطاب جلسات محاكمتها التي بات إيقاعها قاتلاً. محاكمات لا يتمخّض عنها أيّ حكم نهائي. في 13 كانون الأوّل (ديسمبر) الماضي، اعتقلت الطالبة ذات الحضور الوازن على السوشال ميديا أمام حاجز «عوفر» (قرب رام الله) الذي يعتبر ساحةً مثالية للكرّ والفر بين الصهاينة والشبان الفلسطينيين. اقتادها جنود الاحتلال بطريقة همجيّة إلى السجن، بعدما تم «شبحها» لساعات طويلة، فيما البرد القارس كان يلدغ جسدها الصغير.
وفي وقتٍ يتناوب فيه العدو والسلطة الفلسطينية على اعتقال طلاب الإعلام والصحافيين بتهم تراوح بين «المسّ بهيبة السلطة» و«تشكيل خطر على الأمن القومي الإسرائيلي»، يبدو وقع قضية خطاب على الإعلامَيْن التقليدي والبديل أكثر صخباً من غيرها من القضايا.

اعتبارات عدّة جعلت قضيتها محطة فارقة تستأهل التوقّف عندها، أهمها صغر سنها، وشخصيّتها الكاريزماتيّة، وصلابتها، وفق شهادات ذويها وأصدقائها.
قبل أسبوعين، رفع القضاء الإسرائيلي إصبع الاتهام في وجه خطاب، بعدما ظلّت تهمتها مبهمةً لأسابيع. «المشاركة الفاعلة في مواجهات «عوفر»، وإلقاء الحجارة على دورية إسرائيلية وإصابتها»، هكذا صيغت لائحة الاتهام. غير أنّ الصبية الفلسطينية تنفي ذلك، مرجعةً سبب وجودها في «عوفر» أثناء اندلاع المواجهات إلى «زيارتها منزل صديقتها هناك».
ويبدو أن ثمّة حلقةً مفقودة في قضية لينا خطاب، أو مكيدة صهيونية ضدّها، تجعل الإفراج عنها أمراً معقّداً وشبه مستحيل. عرض محاميها محمود حسّان على القضاء الإسرائيلي الإفراج عنها بكفالة مالية مقابل خضوعها لإقامة جبرية في منزل عمّها في المنطقة «ج» في الضفة الغربية المحتلة، غير أنّه قوبل برفض سريع من القاضي، متذرّعاً بـ«وجوب قطع الطريق على خطاب التي تتمتّع بسمات قيادية في الحقل السياسي والمقاوم».
هذا التعنّت الإسرائيلي أثار استغراب والدة لينا سميرة خطّاب التي قالت لـ«الأخبار» إنّ «ثمّة قضايا أكثر صعوبة من قضية ابنتها كإلقاء قنابل «المولوتوف» على دوريات العدو، تم التعامل معها بمرونة صارخة من قبل القضاء وقبول الإفراج عن أصحابها بكفالات ماليّة». وأضافت: «القاضي ليس إلا وجهاً للاستخبارات الإسرائيلية. فهو لا يستمع إلى أقوال لينا مطلقاً ويأتي بقرارات مسبقة إلى المحكمة».
التعاطي القاسي مع خطاب لم يكن وليد المحاكمات، بل منذ لحظة اعتقالها الأولى، إذ تعرّضت للضرب المبرح في الشارع وداخل الدورية وفي السجن، وما زالت تعاني من كسر ورضوض في يدها، وفق شهادة والدتها.
قبل يومين ولمدّة لا تتجاوز 45 دقيقة، كان اللقاء الأوّل الذي جمع الوالدة بابنتها عن قرب منذ الاعتقال. لقد تمكّنت سميرة أخيراً من ضمّ لينا إلى صدرها بعدما ظلّت طوال فترة المحاكمات تتوسّل القاضي بالقول: «أريد فقط أن ألمس وجه ابنتي وأحضنها قليلاً».
صحيح أنّ لينا خطاب تعاني من قسوة كبيرة خلف قضبان الاحتلال، لكنّها بدأت التكيّف مع يوميات السجن وعتمته بروح عالية، فتقضي وقتها بالتطريز وقراءة الكتب التي أرسلتها أمّها إليها. ومن المقرّر أن تنعقد جلسة مغلقة بعد غدٍ الاثنين بحضور القاضي والمدّعي العام والمحامي واثنين من شهود جنود الاحتلال بهدف تثبيت التهمة على خطاب. غير أنّ المحامي ينوي الاستماع مسبقاً إلى شهادات الجنود لالتقاط بعض الثغرات فيها. وتمرّ الطالبة برحلة مضنية، وهي في طريقها إلى المحكمة، حيث يخرجها العدوّ من السجن عند الثالثة صباحاً، قبل أن تقضي ساعات الانتظار الطويلة في البرد الشديد، حتى يحلّ موعد جلستها عند الخامسة مساءً! هكذا، يحاول الإسرائيليون ترهيب طلاب الإعلام قبل أن يضعوا قدمهم على سلّم مهنة المتاعب!