ذات ليلة، من أيّار قبل عامين، كان حسن يرتشف قهوته المعتادة في مقهى «الجزيرة». مقهى شعبي، صغير، في الضاحية الجنوبية لبيروت. فجأة تغيّرت ملامح الشاب العشريني، وهو يقرأ رسالة نصيّة وصلته على هاتفه الخلويّ. رسالة من صديق عن صديق، بكلمات مقتضبة: «عظّم الله أجرك استشهد (فلان)».


رسالة أخرى تصله، من صديق آخر، عن لائحة بأسماء الشهداء الذين ارتفعوا قبل ساعات قليلة. كان هؤلاء ضمن مجموعة لـ«حزب الله» وقعت في كمين وسط مدينة القصير السوريّة. راحت الرسالة ذاتها تنتقل من شخص إلى آخر، داخل المقهى وفي الخارج، تطير من هاتف إلى آخر على مساحة الضاحية بين مئات آلاف القاطنين. جوّ من الرهبة سيطر على وجوه الناس. تلك ليلة كثيرون لن ينسوها.
ترك حسن المقهى وأسرع نحو مستشفى «الرسول الأعظم» عند طريق المطار. إلى هناك كانت تُنقل بعض جثامين الشهداء والجرحى. لحسن صديق جريح، يُريد أن يراه، أن يتبرّع له بالدم، لو احتاج. لم يُسمح له بالدخول. هاج الشاب في الخارج، لم يستطع الجلوس، فظلّ واقفاً على جانب عشرات الشبّان الذين بعد نحو ساعة، أصبحوا بالمئات. حسن ليس حزبيّاً. هو ضمن بيئة حزب الله، وابن الضاحية، لكنه غير منخرط في التنظيم. أكثر الشبّان الذين كانوا واقفين، تلك الليلة، عند باب المستشفى، ونار الحماسة تقدح في عيونهم، كانوا مثل حسن... مجرّد مؤيّدين. كثيرون منهم أصبحوا اليوم ضمن صفوف «التعبئة» في حزب الله. جيل بحاله انضم إلى الحزب خلال الأعوام القليلة الماضية، ومنهم من سقطوا شهداء.
يجلس حسن هذه الأيام في المقهى وصورة وحيد، الشاب الذي التحق متأخراً بالحزب واستشهد، معلقة قبالته. الشهيد كان من روّاد المقهى أيضاً. ثمّة حالة وجدانية يبثّها هؤلاء الشهداء الجدد، في ذاك المقهى، في أكثر من مقهى، في كل منطقة وحي وشارع على مدى الضاحية الكبيرة. الكلّ يريد «أن يُشارك في القتال، في الدفاع عن الحزب، عن الخط والنهج، عن الأهل والعرض والنفس». هكذا يتحدّث جواد. الشاب، الذي لم يكمل العشرين بعد، والذي لا يزال ينتظر الإجراءات المعقدة عند «حزب الله» لقبوله. يقول هؤلاء الشبّان إن الحزب، لو أراد قبول الجميع، لتضاعف عديده في ليلة واحدة، ولكن الاجراءات العقائدية - الأمنية - السلوكية تعيق قبول كل من يطرق الباب. لا بد من دورات ثقافية وتربوية يخضعون لها قبل التحاقهم بـ«العسكر».

لو أراد حزب الله قبول
الجميع لتضاعف عديده
في ليلة واحدة


الذين يعيشون في الضاحية سيلحظون أن المساجد، هذه الأيام، أصبحت عامرة بالشبّان أكثر من ذي قبل. تسمع هناك عن شبّان كثر يردّهم الحزب، يمنعهم من الالتحاق به عسكرياً، لاعتبارات عائلية أحياناً (الوحيد لأمّه وأبيه) أو لصغر السن، أو غير ذلك. لأحد المسؤولين المحليين في الحزب كلمة تلخّص هذه المسألة: «هناك تخمة لدينا في العديد. الوافدون الجدد أكثر مما تتصور. أحياناً يأتي الأب لينضم مصطحباً معه ابنه الشاب». يُحدّثنا المسؤول عن مصطفى، الوالد الجريح، الذي يلازم فراشه منذ أشهر، بعد إصابة تعرّض لها في سوريا، بينما ابنه الآن على جبهات القتال ولا يراه في الشهر إلا مرّة أو مرّتين. نذهب إلى مصطفى، الذي تحيط الأجهزة المعدنية برجليه. طريح الفراش لكن لديه رغبة عارمة في الكلام، إنما عن ابنه، فيختصر بالآتي: «لا شيء يواسيني، الآن، رغم إصابتي، والتي يمكن أن تصبح عاهة دائمة، سوى وجود ابني في الجبهة... هو يمثّلني هناك، وإن استشهد، فسأرفع رأسي عالياً ولا حول ولا قوة إلا بالله». مصطفى وولده ليسا حالة نادرة في الضاحية، فضلاً عن الأرياف، في الجنوب والبقاع على حد سواء، حيث البيئة اللصيقة بحزب الله. كثيرة هي الأسماء التي ستسمعها عن حالات مشابهة.
هذه هي أجواء الضاحية اليوم. ربما تكون هذه الحالة «عادية» عند أبناء تلك البيئة، بكل ما تحمل من مفردات الاستعداد للتضحية، ولكنها حتماً هي ليست كذلك عند من هم خارجها. سيكون من الطبيعي جدّاً ألا يستوعب البعض وجود نمط كهذا من الاجتماعيّات الإنسانيّة. قبل سنوات طوال، كان لدى حزب الله أفراد يعملون في الاستقطاب. مهمتهم تقريب الناس من الحزب. أصبح هذا من الماضي. يمكن القول إن الآية قد انقلبت تماماً. أصبح الحزب يحاول التخفيف من حماسة الناس بالانضمام إليه. ربما يكون أعداء الحزب قد أفادوه في هذه المسألة، بعدما جعلوا بيئته تشعر أنها «مهددة بوجودها... خصوصاً خلال السنوات العشر الأخيرة». هذا ما قاله مصطفى حرفيّاً. ليس غريباً أن تسمع بعض الشعارات الدينية، الشيعية، مثل «لبيّك يا زينب» أو «دفاعاً عن المقدسات». الوالد الجريح يعلم أنه «مهدور الدم سواء قاتل في سوريا أم لا، سواء كان هناك حزب الله أم لم يكن». هذه الأيام تعيش الضاحية الجنوبية لبيروت موجة حماسة جديدة تجاه الحزب. تأجّجت المشاعر، مجدداً، بُعيد اغتيال 6 من كوادره وعناصره في منطقة القنيطرة السورية. فعلتها هذه المرّة مروحيّة إسرائيلية. طالبو «رأس الحزب وبيئته» أصبحوا كثراً، وفي أكثر من اتجاه، ولهذا، سيكون من المألوف أن تجد جموعاً إضافيّة من الشبّان، طالبة الانتساب، عند أبواب المساجد ومراكز الحزب في مختلف المناطق.
قبل دخول الحزب سوريا، كانت موجة انتساب هائلة قد تضاءلت نسبياً، امتدت من بعد حرب تموز 2006 إلى سنوات لاحقة عدّة. حصل الأمر عينه بعد تحرير جنوب لبنان عام 2000. قبل ذلك شهد الحزب «هبّة» مماثلة إثر استشهاد نجل الأمين العام لـ«حزب الله» السيّد حسن نصر الله (هادي) عام 1997. هكذا، لقد «أجّج» الحزب ثقافة بين الناس قوامها أن مفردة «الإنجازات» لا تقتصر على التحرير والنصر العيني المباشر، بل إن التضحية هي بحد ذاتها إنجاز. ربما هذا ما يُفسّر موجات حماسة الانضمام إليه بُعيد كل نصر (تحرير) أو استشهاد (قادة وأفراد). أكثر ما يلفت الانتباه، في الضاحية تحديداً، أن تلك الظاهرة (حماسة الانضمام للحزب) قد طاولت أولئك الشبّان الذين كانوا، لسنوات خلت، لا يجيدون سوى التسكّع على الطرقات. هؤلاء الذين كان يصفهم البعض بـ«الزعران». شريحة تجدها في كل بيئة ومجتمع. بعض هؤلاء كانوا لا يشعرون بودّ تجاه الحزب أصلاً. الحزب، بالنسبة إليهم، عائق أمام «تلطيش» الفتيات أو تعاطي الممنوعات. علي، الذي أصبح يحمل الآن اسماً جهاديّاً، هو سراج، أحد هؤلاء. يُحدّثك عن رفاق له فعلوا ما فعله. أصبحوا يرتادون المسجد، تغيّر سلوكهم، وكل ما يريدونه «أن تُقبل طلباتهم». رأى علي، ومن مثله، خلال الأعوام الماضية، صور الكثير من الشهداء تزداد يوماً بعد آخر. يعرفون الكثير منهم عندما كانوا بينهم، وبالتالي: «ونحن مش أحسن منهم».
من أدبيات حزب الله، التي أصبحت بمثابة القول الخالد في إعلامه، كلمة للشيخ راغب حرب، الذي اغتالته «إسرائيل» في ثمانينيات القرن الماضي... يقول: «دمُ الشهيد إذا سقط فبيد الله يسقط، وإذا سقط بيد الله فإنه ينمو، ولذلك نجد أنه يستمر حياً، يصبح شاهداً، يكبر وينتشر في الأرض».