على شرفتها المحاذية لعبور موكب الشهيد محمد عيسى في عربصاليم، جهزت أم قاسم سعادة الكراسي وركوة القهوة لاستضافة العائدين من التشييع. حولها، تحلقت بناتها وقريباتها اللواتي حضرن من البقاع الغربي والنبطية وبيروت للمشاركة في وادع أبو عيسى الذي يعرفه الجميع والجبل الرفيع. ترفع رأسها وتدل على التلة الخضراء المواجهة تماماً. لديها ذكريات قاسية مع الجبل البعيد. برغم تحريرها عام 1985، إلا أن عربصاليم بقيت خط تماس يقصف يومياً.


محتلو الجبل تحكموا بيومياتها. حفظت معالم الطريق العسكرية التي يسلكها جنود الاحتلال وآلياتهم. تراقب تطور حركتهم. «طلعوا ع التلة». جنديان ثم خمسة ثم عشرون ثم تقدمت دبابة. حينها تهرع إلى إنذار جيرانها بأن العدو سيقصف أو يتقدّم. منهم من يختبئ في القبو ومنهم من يترك منازله إلى منازل أبعد.
على نحو تدريجي، بدأت أم قاسم بقهر الاحتلال. لم تعد تترك منزلها كلما شاء العدو. والدها استحدث دشماً من الحجارة سدّ بها النوافذ والأبواب المواجهة للجبل. فالعدو كان يقنص مراراً على غرفة يجدها مضاءة أو يرصد تحركاً فيها. لاحقاً لم يعد لعب الأطفال رهناً لمزاج العدو. تستذكر ابنتها كيف كانت تلعب مع قريناتها في الحقول وإلى جانب مجرى النهر، قبل أن يهرعن إلى البيت عند سماع رشق ما من صوب الجبل. بعد عام 1990، بدأت تتنبه الطفلة لحركة شبان يتنقلون على مهل بين البيوت ويتوجهون نحو مفرق النهر (مجرى نهر الزهراني الذي ينبع من سفح الجبل). تكون انطباعها عن أصحاب البدلات المرقطة.
مع السنوات، صارت البدلة مؤونة كل بيت. بيت أهلها وأقربائها بدءاً من خالها نزار سعادة. ابن خالها الثاني هو عاهد سعادة، القائد الذي سقط في سوريا قبل أقل من عامين. كلما امتد الحديث معها، اكتشفنا أن عربصاليم كلها تسكن في البدلة المرقطة.
لا ينسى العدو عناد عربصاليم وأهلها. في عام 1998، قصف المدرسة قبل شهرين من انتهاء العام الدراسي. إمام البلدة وعدد من فاعلياتها حوّلوا بيوتهم إلى صفوف ليكمل الطلاب دروسهم.
كلما سأل أحد عن أهل محمد عيسى لتحيتهم، قاده الناس إلى خاله يحيى مقلد. يجدون أنه الأمثل للحديث لا عن ابن شقيقته وزوج ابنته فحسب، بل عن عربصاليم التي يعني اسمها العرب الأشداء.
الشهداء الخمسة الذين قدمتهم العائلة في صفوف المقاومة ومن ينتظر من أولاد أشقائه، هم في ذمة المناضل العتيق. عند انطلاقة الثورة الفلسطينية عام 1968، حمل الفتى الفلاح مالاً قليلاً وزاده فوق كتفه وارتحل براً إلى سوريا ليقاتل. سمع أن الفدائيين يتنادون إلى الشام للتدرّب والتسلح. لم يجد ضالته. نام ثلاثة أيام في الشوارع قبل أن يعود إلى أقدام الجبل الرفيع باحثاً عن الثورة.
التحق بالفدائيين الذين تعلقوا بتلال الجبل الرفيع وجبل صافي وقلعة الشقيف إلى الحدود الأمامية مع فلسطين المحتلة. هو ورفاق آخرون من عربصاليم وجوارها شكلوا مثالاً احتذى به عشرات الشبان الذين التحقوا بالفصائل الفلسطينية وأحزاب الحركة الوطنية. عندما غادرت منظمة التحرير لبنان إثر الإجتياح الإسرائيلي عام 1982، واجه مقلد صدمته بانهيار الثورة.
هام في الأحراج والأودية والمغاور والأنفاق التي ساهم في حفرها، جامعاً الأسلحة التي تركها الفدائيون. خبّأها ليصبح قائداً لحركة مقاومة من دون اسم أو عناصر. بمفرده خطط ونفذ عمليات ضد مواقع العدو في التلال المقابلة. في عام 1984، بترت ساقه في عملية ضد موقع سجد.
عوضاً عن الساق المبتورة، نبتت عزيمة لبث المقاومة العسكرية في من حوله.
في ظلاله، نشأ «أبو عيسى الإقليم» الذي وجد أن المقاومة الناصعة متوافرة لدى المقاومة الإسلامية التي كانت حينها في طور الصعود. انضم إليها عام 1985 قبل أن يتم عامه الحادي عشر.
مثل عيسى، كان محمد نجل يحيى الذي سبقه إلى الشهادة قبل أقل من ثلاثين عاماً. وبين عيسى ومحمد، ارتقى اثنان من أبناء إخواله ومصطفى ابن خالته عزيزة التي استشهدت في القصف الإسرائيلي على موقع الجيش اللبناني خلال مواجهات الجبل الرفيع عام 1997، ثم عديله القائد عاهد سعادة الذي سقط في سوريا قبل أقل من عامين.
مثل يحيى كثر في عربصاليم وقرى إقليم التفاح. هؤلاء ما همّهم تسمية حركات المقاومة بقدر ما همّهم نوعيتها ونصاعتها. لذا تجد صور شهدائهم بين القوى الفلسطينية والأحزاب الوطنية وجبهة المقاومة الوطنية حتى حزب الله وحركة أمل والمقاومة المؤمنة. عبد الكريم جزيني (80 عاماً) من جباع حط في حركة المحرومين «أمل» بعدما أسس حركة القوميين العرب في المنطقة بداية الستينيات.
مثاله الرئيس جمال عبد الناصر حمله معه إلى غربته في ساو باولو البرازيلية حيث كان يشارك في التظاهرات الداعمة لمصر ضد العدوان الثلاثي وإسرائيل والغرب، ويجمع التبرعات لها. «قلب أبناء إقليم التفاح أكبر من جبل صافي يسع كل المقاومات الشريفة والقضايا المحقة» يقول جزيني. قلب الإقليم كبير جداً. كيف لا وهو يحمل معلم مليتا؟ وقلب الجبل الرفيع أكبر. كيف لا وقد أنجب أبا محمود نذر المعروف بالحاج عيتا الذي ظهر في شريط بعد عدوان تموز وارتوى من دماء هادي نصر الله وشهداء مواجهة الجبل الرفيع من المقاومة والجيش؟