لم يأتِ السقوط المدوّي لفريق الشمال الإيطالي من فراغ، بل هو حصل إثر سلسلة أحداثٍ عصفت بأسوار قلعة مدينة تورينو. فبعد احتكار يوفنتوس للدوري الإيطالي لتسعة ألقاب متتالية بين عامي 2011 و2020، حاولت إدارة الفريق جاهدةً تحقيق دوري أبطال أوروبا، غير أن جميع محاولاتها باءت بالفشل. بدأ الأمر باستقدام المواهب الشابة وصولاً إلى التغيير المستمر في الكادر الفني. وفي ظل استمرار الخيبات، استعانت الإدارة بخدمات النجم البرتغالي كريستيانو رونالدو ـ صاحب الخمس كرات ذهبية ـ الذي شكّل أولى معالم «السقوط الحر». أرادت الإدارة الاستفادة من خبرة وفاعلية رونالدو للظفر بدوري الأبطال، ولكن فور طرح اسم رونالدو ضمن الدائرة الضيقة للإدارة العليا في ذلك الوقت (2017 ـ 2018)، حصل انقسام بين المدير الرياضي حينها فابيو باراتيتشي والمدير العام بيبي ماروتا. ارتأى هذا الأخير بأنّ الأجر الضخم للاعب البرتغالي سيحول دون استقدام بعض اللاعبين في مراكز أخرى بحاجة لتدعيم، كما أنّ وجوده سيعيق تطور العديد من المواهب الموجودة مثل باولو ديبالا ودوغلاس كوستا، أما باراتيتشي فقد أيّد الصفقة نظراً لما ستدره من أموال على خزائن النادي جراء شهرة اللاعب، من دون إغفال قدرته على المساعدة في تحقيق الحلم الأوروبي الكبير. وبعد سجالٍ طويل، مال رئيس النادي أندريا أنييلي لرغبة باراتيتشي، فرحل ماروتا وجاء رونالدو. مجيء رونالدو غيّر الكثير في منظومة أليغري خلال تلك الحقبة، كما وضع العديد من اللاعبين على مقاعد البدلاء الأمر الذي ولّد طاقة سلبية بين أفراد المنظومة.

وللحؤول دون تضاعف المشكلات، رحل أليغري عن النادي في الوقت الذي حوّلت فيه الإدارة الجديدة اهتمامها إلى أسلوب اللعب، فوقّعت مع المدرب ماوريتسيو ساري أملاً بتقديم كرة هجومية تناسب متطلبات الكرة الحديثة. لكن، مرةً جديدة، أثبتت النتائج المتخبّطة سوء الرؤية والتخطيط.
لم يتمكن رونالدو من ترك أي بصمة على الصعيد الأوروبي كما فشل ساري في السيطرة على الفريق الذي فقد «هويته» المعروفة محلياً. وفي ظل تبذير الوقت والمال من دون جدوى، خسر يوفنتوس نفسه في غضون عامين. جاء أندريا بيرلو بعدها على رأس العارضة الفنية للفريق خلفاً لساري الذي أقيل إثر فشله في السيطرة على غرفة الملابس، لكن المدرب الشاب أقيل أيضاً بعد أن أنهى موسمه في المركز الرابع «بشق الأنفس». وفي ظل فشل جميع خطوات التتويج الأوروبي، عاد أليغري هذا الموسم لقيادة يوفنتوس بهدف إعادة الأمور إلى نصابها الصحيح محلياً، غير أنّ الفوضى التي تلت رحيله قبل عامين حالت دون ذلك، أقله حتى الجولة الخامسة من عمر الدوري. نتائج يوفنتوس أكّدت الشكوك التي كانت تنمو خلال السنوات الثلاث الماضية: السيدة العجوز لم تعد قادرة على المنافسة.

سجل رجال ماسيميليانو أليغري أسوأ بداية موسم في الدوري المحلي منذ ستين عاماً


لم تكن بداية يوفنتوس ـ أليغري سارةً لجماهير البيانكونيري هذا الموسم. فبعد أن تعادل الفريق بنتيجة (1-1) مع ميلان في الجولة الرابعة، حقق رجال أليغري أسوأ بداية لموسم منذ 60 عاماً، وقد عكس الفوز الشاق أمام سبيزيا في الجولة الماضية مدى سوء الأمور.
تفاقمت المشكلات المترسّبة من السنوات القليلة الماضية مع سوء أداء اللاعبين، وهو ما أظهر يوفنتوس بهذه الصورة هذا الموسم. يعاني الفريق العديد من المشكلات، أهمها المخاوف من أخطاء الحارس تشيزني. يظهر جلياً مدى خوف اللاعبين من أخطاء الحارس البولندي الذي تلقت شباكه 8 أهداف في خمس مباريات، جاء بعضها جراء أخطاءٍ فادحة. وفي ظروفٍ غامضة، أصبح الحارس الذي سبق له أن وضع أليسون بيكر وجيانلويجي بوفون على مقاعد البدلاء أضعف لاعب في يوفنتوس.
من جهته، فقد المدافع دي ليخت بريقه الذي كان عليه رفقة أياكس. قبل أربع سنوات فقط كان دي ليخت بمثابة المدافع الأفضل في العالم. اليوم، يُنظر إليه كمدافع لا يعوّل عليه. انخفض مستوى المدافع الهولندي بشكلٍ كبير في الأشهر الأخيرة حتى فقد ثقة مدرب هولندا لويس فان خال ومدرب يوفنتوس أليغري.
في خط الوسط، يظهر جلياً سوء التنظيم وعدم التوازن. السبب الرئيسي في ذلك ربما هو اللاعب أدريان رابيو، الذي لا يزال راتبه البالغ 6 ملايين جنيه استرليني يشكّل لغزاً كبيراً بالنظر لأدائه السيئ في العامين الماضيين.
هجومياً، عانى الفريق من خسارة رونالدو على رغم المشكلات الفنية الكبيرة التي عصفت في المنظومة أثناء وجوده، حيث لا يستطيع مويس كين أو ألفارو موراتا تسجيل نفس عدد الأهداف التي كان يسجلها المهاجم البرتغالي. سيتعيّن على أليغري إعادة بريق ديبالا أملاً بعودة السحر للخط الأمامي.
على رغم البداية الكارثية، لا يزال يوفنتوس قادراً على العودة. يشهد على ذلك بداية يوفي السيئة تحت قيادة أليغري في موسم 2015/2016، عندما حصل الفريق على خمس نقاط فقط من المباريات الست الافتتاحية، ليقفز بعدها من المركز الخامس عشر إلى الصدارة برصيد 91 نقطة. يمر النادي بمرحلةٍ حرجة هذا الموسم، غير أنّ تضافر جهود الجميع إضافةً للإنفاق الرشيد في سوق الانتقال الشتوي قد يعيد الأمور إلى نصابها الصحيح. أليغري بحاجة للمزيد من الوقت.