لم يكن ما كشف عنه قائد نادي واتفورد الإنكليزي لكرة القدم تروي ديني عادياً، إذ أن الرجل وبعد رفضه الالتحاق بتمارين فريقه خوفاً على نقل أي عدوى إلى طفله، عاش كابوساً حقيقياً.

هناك في المدينة التي يمثّل ديني فريقها ظهر الوجه الشرير للمشجعين عبر «أداة جريمة» باتت متاحة في أيدي الكل، وهي وسائل التواصل الاجتماعي التي من خلالها تلقّى ديني رسائل من أشخاص يتمنون إصابة طفله البالغ من العمر خمسة أشهر بفيروس «كورونا»!
كلام جارح وقاسٍ تناولته مجموعة من التعليقات أيضاً، والتي صوّبت على لاعب نيوكاسل يونايتد داني روز الذي لعب دور رأس الحربة في رفض عودة المنافسات في إنكلترا طالما لا يزال الوباء متفشّياً في البلاد.
هذه الحوادث التي تشهدها إنكلترا تشير بوضوح إلى العلاقة المعقّدة بين كرة القدم ووسائل التواصل الاجتماعي، والتي زادت تعقيداً بعد أزمة «كورونا» التي ضربت العالم، رغم أن بعض المشاهد جعلت محبّي المستديرة يعيشون أوقاتاً ممتعة من خلال جلسات خاصة تابعوها مباشرةً ولم تُصب أيّاً منهم بالملل، وذلك على غرار كل إطلالة قام بها «الظاهرة» البرازيلي رونالدو عبر «إنستاغرام» حيث استذكر العديد من المحطات الجميلة في مسيرته مع نجومٍ لعب إلى جانبهم أو ضدهم، فأصابت تلك الحلقة التي شاركه فيها النجم الإنكليزي السابق ديفيد بيكام أرقاماً كبيرة جداً على صعيد المشاهدة والانتشار من بعدها.

شخصيات الكثير من اللاعبين الحاليين تبدو ضعيفة بسبب التأثير السلبي لوسائل التواصل الاجتماعي


لكن الواقع أن وسائل التواصل المفترض أن تكون سلاحاً قوياً في أيدي النجوم، بدت نقطة ضعفٍ في أماكن أخرى عرّضتهم للمشاكل، وهو أمر قد يصبح أسوأ في فترةٍ لاحقة، خصوصاً في ظل ابتعاد الجمهور عن الملاعب، ما يعني أن وسيلة الاحتكاك الوحيدة بين اللاعبين والجمهور ستكون المواقع والتطبيقات. وعلى سبيل المثال، يمكن لأي مشجعٍ التعبير عن سخطه من خلال صرخة ضد أداء لاعبٍ معيّن في المدرجات، ثم يخرج ناسياً ما حصل، لكن إذا ما كان ملازماً للمنزل فهو لن يجد سوى وسائل التواصل للتعبير عن نفسه، ليجرّ معه سلسلة لا متناهية من التعليقات السلبية التي تصيب اللاعب مباشرةً.
وهذه المسألة يتحمل مسؤوليتها اللاعبون بالدرجة الأولى، إذ لا يخفى أنه مجرّد أن تنتهي المباراة تهرع غالبيتهم لاستطلاع رأي المتابعين عبر وسائل التواصل، وهو أمر بات يعرفه المشجعون الذين يستغلّون استعراض اللاعبين لتفاصيل حياتهم عبر «السوشال ميديا» ليقوموا بدسّ أنفسهم فيها وتحويلها أحياناً إلى كوابيس مزعجة.
وبالفعل يمكن اعتبار أن هذه الوسائل أحدثت إرباكاً في أداء اللاعبين على أرض الملعب، إذ غالباً ما يفكرون بأنه لا يجوز أن يخطئوا خلال المباراة لكي لا يجدوا بعد نهايتها الشتائم والسخرية بانتظارهم بعد نهاية الدقائق الـ 90.
ولا شك أنه في هذا الإطار تركت وسائل التواصل أثرها في شخصية اللاعبين التي تبدو أضعف من نظيرتها الخاصة بلاعبي فترة التسعينيات مثلاً، حيث لم يكن لـ «السوشال ميديا» دور في تعرّضهم للإهانات أو للهجمات من الجمهور، إذ نادراً ما تجد حالياً لاعباً بشخصية الفرنسي إيريك كانتونا أو الألماني شتيفان إيفنبرغ على سبيل المثال، وهما أشهر من خلق مواجهات مباشرة مع الجماهير المعترضة في منتصف تسعينيات القرن الماضي.
من هنا، لم يكن مستغرباً لجوء بعض المدربين إلى اتّخاذ إجراءات استثنائية في ما خصّ انغماس لاعبيهم بـ «السوشال ميديا»، وذلك على غرار ما فعل الإسباني جوسيب غوارديولا مثلاً لدى وصوله إلى مانشستر سيتي الإنكليزي قبل 4 أعوام، حيث منع «الإنترنت» في الملعب الأساسي الخاص بالتدريبات، وفي بعض القاعات المرتبطة بالمجمّع بينها غرف الملابس، وذلك لكي لا يكون كل شيء معروضاً أمام العامة من خلال صور وفيديوهات لاعبيه.
وبعد تخفيف «بيب» لإجراءاته، أطل نظيره البرتغالي جوزيه مورينيو هناك في مانشستر يونايتد، والذي منع لاعبيه من التقاط أيّ صورة في النادي أو ملاعب التمارين قبل 48 ساعة على أي مباراة للفريق، وذلك بسبب إدراكه حجم الضرر الذي قد يلحقه أيّ منشور من هذا النوع على خططه التي من المفترض أن تتمتع بالخصوصية.


وبالطبع في زمن «كورونا» لم تعد الأندية قادرة على تطبيق قواعدها الخاصة بوسائل التواصل الاجتماعي وهي بعيدة عن لاعبيها، ما جعلهم غير محميين ومعرّضين لخسارة العديد من المعارك العامة بفعل الهجمات المنظّمة التي يخلقها الجمهور غالباً، وهو ما يفرض على اللاعبين إمّا ترك المنصات الافتراضية أو تقبّل الخسائر وتحمل ارتداداتها.
لكن مجرّد فكرة هجر الـ«السوشال ميديا» ليست أمراً وارداً بالنسبة إلى الكثير من النجوم، وذلك لأسبابٍ مالية بحتة، إذ إن لاعباً مثل البرتغالي كريستيانو رونالدو يحصل على 47.8 مليون دولار أميركي سنوياً من خلال منشوراته الإعلانية على «إنستاغرام»، وهو رقم يتجاوز ما يحصل عليه من فريقه يوفنتوس الإيطالي في الموسم الواحد. كما أن غريمه الأزلي الأرجنتيني ليونيل ميسي لا يقلّ شأناً كونه يربح 23.3 مليون دولار من المنصة نفسها.
أرقامٌ تجعل المرء يقتنع بأنه مهما بلغ حجم الكراهية للاعبين أحياناً على وسائل التواصل، فإن أقصى ما سيفعله هؤلاء هو مقاطعتها لفترة زمنية قصيرة، تماماً كما فعل يوماً الثنائي الإنكليزي رحيم ستيرلينغ وماركوس راشفورد والفرنسي بول بوغبا عندما غابوا عنها لمدة 24 ساعة فقط لا غير.