بهدف من رأسية القائد الصغير في السن ماتياس دي ليخت (19 عاماً)، تأهّل الفريق الهولندي أياكس أمستردام من قلب إيطاليا، من على أرضية ملعب زعيم الدوري الإيطالي إلى نصف نهائي دوري أبطال أوروبا. يوفنتوس كان تائهاً، تماماً كما كان مدرّبه ماسيمليانو أليغري خلال المباراة. صراخ مدرب ميلان السابق لم يسعفه، ولا حتى لاعبيه، الذين كانوا كالأشباح أمام «شتلات» النادي الهولندي العريق. هو انتصار للجميع، ليس فقط لأياكس، بل لكل محبي هذه الرياضة الجميلة. انتصار لكرة القدم الحقيقية، على تلك الرأسمالية التي تفضل المال على المواهب. انتصار، يعني الكثير للمتابعين والنقاد، هو بصيص أمل لا يزال موجوداً، يتمثّل بصناعة وتكوين فريق، تمكّن من هزيمة ريال مدريد في السانتياغو بيرنابيو، ويوفنتوس في الـ«آليانز». فريق، طبّق ثقافته وثقافة كل من مرّوا بهذا النادي، ثقافة أنشأها الراحل يوهان كرويف، وانسحبت على الفريق الكاتالوني برشلونة لسنوات، قبل أن يرحل غوارديولا إلى ألمانيا. ثقافة، لم تظهر منذ رحيل الفيلسوف عن «البلاوغرانا»، حتّى أعادها إلى الأذهان، فريق شاب، ومدرب شاب اسمه إيرك تن هاغ. لتعود الثقافة إلى منزلها، إلى مهدها، إلى المكان التي ولدت فيه، إلى الأراضي المنخفضة الـ«كرويفية».

مما لا شك فيه، أن أياكس استحق الفوز، واستحق التأهل على حساب فريق، يقولون عنه بأنه «يوفنتوس»، وبأنه زعيم إيطاليا في السنوات السبع الماضية، والثامنة أصبحت جاهزة أيضاً. إلّا أن ما يجب الوقوف عنده، هو الأسباب التي دفعت بفريق «السيدة العجوز»، لتكبّد هذه الخسارة المفاجئة للكثيرين، على أرضه وبين جماهيره.

غياب ديبالا الـ«مبرر»!
لا يمكن مطالبة لاعب بأن يعطي كل ما لديه، وهو في الأساس لاعب لم يعد في حسابات مدرب فريقه الأساسية. نعم، الحديث هنا عن إحدى أفضل المواهب التي عرفتها كرة القدم في السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة. باولو ديبالا، النجم الأرجنتيني، الذي لفت أنظار جميع متابعي الدوري الإيطالي عندما كان يدافع عن ألوان باليرمو، ها هو اليوم، أصبح الخيار الثاني بالنسبة إلى أليغري. مشاركة ديبالا أساسياً ليلة الثلاثاء، لم تكن ضرورية، وربما مشاركة الصغير مويس كين على حسابه كانت لتكون خياراً أفضل بكثير، وذلك نظراً لتألق الشاب الإيطالي في المباريات الأخيرة ليوفتوس، العكس تماماً يحدث مع ديبالا. الأخير، شارك في مركز الجناح الأيمن، مركز لم ولن يعتاد عليه في حياته، رغم ذلك، حاول تقديم ما لديه، إلّا أن الابتعاد عن المباريات، وربما علاقته غير الجيدة بأليغري، أدّت إلى إنتاج أسوأ نسخة من «الجوهرة الأرجنتينية». ديبالا، هو ضحيّة العملاق كريستيانو رونالدو، النجم الذي لطالما كان يحب وجود مهاجم آخر إلى جانبه، لكي يسهّل عليه الأمور (كريم بنزيما في ريال مدريد، ماريو ماندزوكيتش في اليوفي حالياً)، ممّا يعني أن مشاركة ديبالا ستؤثر سلباً على أداء اللاعب الذي تم «شراؤه من أجل دوري أبطال أوروبا».

الإصرار على ماتويدي وديتشيليو
لدى المدرب ماسيميليانو أليغري لاعب ارتكاز عصري يدعى رودريغو بنتانكور. أوروغواياني الجنسية، ظهر بصورة مميزة مع منتخب بلاده «السيليستي» في المونديال الروسي الأخير. بدأ هذا الموسم أساسياً في كثير من المناسبات، إلّا أنه لم يشارك في المباراة المصيرية أمام أياكس. لماذا؟ بكل بساطة، يفضل أليغري الفرنسي بليس ماتويدي والألماني ـ التركي إيمري دجان على الشاب الأوروغواياني، ولهذا التفضيل أسباب أيضاً، لعل أبرزها، التزام كل من ماتويدي وايمري بأدوارهما الدفاعية، على عكس بنتانكور، اللاعب الذي يتمتّع بمهارات فردية لا يتميّز بها الكثير من لاعبي الارتكاز في العالم. وهنا لأليغري دور أساسي في هذه الخيارات، المدرب الذي ورغم تعادله في مباراة الذهاب، لا يزال مصراً على اللعب الدفاعي «الجبان»، الذي تمثّل بإشراكه لديتشيليو على حساب أحد أفضل الأظهرة في العالم إن لم يكن أفضلها على الجهة اليمنى، البرتغالي جواو كانسيلو.

دفع ماسيميليانو أليغري ثمن تمسكه بخططه الدفاعية


أليغري والأفكار البالية
عندما خسر يوفنتوس مباراة الذهاب أمام أتلتيكو مدريد في دوري الـ16، الجميع أكّد أن هذه الخسارة أتت بسبب أليغري، وبسبب خياراته الدفاعية وعقليته التي لم تُثمر أي هدف قد يكون مفيداً للفريق في الإياب. في المباراة الثانية، تمكّن أليغري من التخلّص من أفكاره، واللعب بطريقة هجومية، وضعت كلاً من دييغو سيميوني وفريقه أتلتيكو مدريد في منطقته طوال المباراة. سجّل يوفنتوس ثلاثة أهداف، هاتريك من «المميز» رونالدو، الذي وعد جمهوره بالتأهل، وصدق. رونالدو، جاء من بيئة وفريق مختلفين، من فريق يريد الفوز، إلى فريق يسجّل هدفاً، ويقتنع به. كريستيانو حمل يوفنتوس على كتفيه في مباراة «الأتلتي»، لكنه لا يستطيع أن يكرر هذه الفعلة دائماً. يوفنتوس سيبقى يوفنتوس، لن يقدّم الفريق ما قد لا يتوقّعه الجمهور، خصوصاً في ظل وجود مدرب محدود، لا يتعلّم من أخطائه، إذ إنه أصر على ماتيا دي تشيليو على حساب كانسيلو أمام أياكس.

ضعف المنافسة محلياً
كما يعلم الجميع، يتّجه فريق «السيدة العجوز» يوفنتوس إلى الظفر بلقبه الثامن توالياً في الدوري الإيطالي. رقم مميز من فريق، سيطر بالطول والعرض على هذا الدوري. سيطرة يوفنتوس لم تأت من عدم، فالفرق التي كانت تقف ندّاً للـ«بيانكونيري» في السابق، ها هي اليوم تقبع في المركزين الثالث والرابع، الحديث هنا عن كل من قطبي مدينة ميلانو، إنتر وميلان. ولعّل هذا السبب، هو عينه الذي أطاح بفريق «نجوم العالم» باريس سان جيرمان، أمام أسوأ نسخة من مانشستر يونايتد منذ عقود من الزمن. غياب المنافسة في الدوري المحلي، والاصطدام بفرق أخرى على مستوى عال، يؤدي إلى هذه النتائج الكارثية. فعلى سبيل المثال، الدوري الإنكليزي الممتاز، الدوري الذي لا يمكن التنبؤ بنتيجة أي مباراة بين الستة الكبار، نظراً إلى التنافسية القوية في هذا الدوري، والتي أدّت في النهاية، ومع تطورها بطبيعة الحال، إلى وجود أربعة فرق إنكليزية في الدور ربع النهائي من دوري الأبطال.

غياب كيليني وماندزوكيتش
من غير المنطقي أن يصدّق أحد المتابعين أن لغياب المهاجم الكرواتي ماريو ماندزوكيتش تأثيراً كبيراً على منظومة فريق كيوفنتوس. لكن واقع الحال يؤكّد عكس ذلك. بالفعل، ماندزوكيتش مهم جداً ليوفنتوس، ولأيغري، وقبلهما، مهم كثيراً لرونالدو. ماندزوكيتش، كانت تقتصر وظيفته الأساسية على تسديد الكرات الرأسية التي من الممكن أن تصله، أضف إلى ذلك، أنه من بين اللاعبين الذين يفسحون المجال للاعب كرونالدو في أن يبرز، بسبب دوره التكتيكي المميز الذي يلعبه خلال المباريات. وكأن بالجميع يشاهد نسخة كريم بنزيما ورونالدو في يوفنتوس، مع تغيير المهاجم الفرنسي بالكرواتي. من جهة أخرى، غياب المدافع الصلب جورجيو كيليني عن اللقاء، له تأثير كبير على المنظومة الدفاعية التي شاهدها الجميع شبه منتهية في المباراة، عاجزة عن الحد من خطورة شباب أياكس، الذين كانوا يسرحون ويمرحون في منطقة جزاء الحارس البولندي تشيزني. إن لغياب قائد الفريق، مهما كان مركزه، تأثيراً لا يقل عن غياب مهاجم الفريق، نظراً إلى التعليمات والتوجيهات التي ينظم بها كيليني خطوط الدفاع.