بعد الخروج المبكر لمنتخب ألمانيا من كأس العالم الأخيرة في روسيا، وهبوطه إلى المستوى الثاني في دوري الأمم الأوروبية التي تُلعب للمرّة الأولى، كشف المدرب الألماني يواكيم لوف عن تقديم نسخة جديدة للمنتخب عام 2019 لإعادة الـ«مانشافت» إلى مساره الصحيح. رؤية لوف الجديدة بدأت تظهر فصولها قبل نحو أسبوعين، فأعلن المدرب الألماني قبل فترة التوقف الدولي الأول هذا العام، استبعاد ثلاثي نادي بايرن ميونيخ توماس مولر، ماتس هاميلز وجيروم بواتينغ عن المنتخب، في خطوةٍ هزّت الشارع الكروي في ألمانيا. لوف بدأ عمليّة البناء والاختبار الأوّل سيكون أمام صربيا (غداً الأربعاء 21:45 بتوقيت بيروت).

غيّر مدرّب منتخب ألمانيا لكرة القدم فلسفته هذه المرّة، فبعد فترة طويلة كان فيها نادي بايرن ميونيخ يُعتبر الخزان الأوّل للمنتخب، لجأ المدرّب الآن إلى الأندية الأخرى، وقام باختيار لاعبين من مختلف الأندية الألمانية والمحترفين في الخارج، وتحديداً من الدوريات الكبرى في القارة العجوز. استدعى مدرّب منتخب ألمانيا تشكيلته التي سيلعب بها مباراة صربيا الوديّة، والتي ستكون مقدمة قبل خوض المباراة الأهم عندما يواجه هولندا نهاية الأسبوع الجاري (الأحد) في التصفيات المؤهلة لبطولة أوروبا (يورو 2020). واختار لوف لمباراته المقبلة كلاً من مانويل نوير (بايرن ميونيخ)، مارك أندريه تير شتيغن (برشلونة)، كيفن تراب (فرانكفورت)، ماتياس غينتر (بروسيا مونشنغلادباخ)، مارسيل هاسلتنتبرغ (لايبزغ)، ثيلو كيرير (باريس سان جرمان)، لوكاس كلوسترمنان (لايبزغ)، أنطونيو روديغر (تشيلسي)، نيكو شولز (هوفنهايم)، نيكلاس ستارك (هيرتا برلين)، جوناثان تاه (باير ليفركوزن)، جوليان براندت (باير ليفركوزن)، ماكسيميليان ايغستن (فيردر بريمن)، سيرج غنابري (بايرن ميونيخ)، ليون غورتزكا (بايرن ميونيخ)، إلكاي غوندوغان (مان سيتي)، كاي هافرتز (باير ليفركوزن)، جوشوا كيميتش (بايرن ميونيخ)، طوني كروس (ريال مدريد)، ماركو رويس (دورتموند)، ليروا سانيه (مان سيتي) وتيمو فينير (لايبزغ).
رؤية لوف للمرحلة المقبلة تتركز على الأسماء الشابة، فاستبعد المدرب الألماني أبرز أعمدة المانشافت القديمة، لبناء حجر أساس قوامه الشباب. رغم منطقية الخطة على الورق، قد تظهر على أرض الملعب مشاكل تتخطى الأمور الفنية.
لطالما شكّل كل من توماس مولر (29 عاماً)، جيروم بواتينغ (30 عاماً) وماتس هاملز (30 عاماً) الحجر الأساس في المنتخب الألماني. أداءٌ شبه ثابت وألقابٌ عديدة حققها الثلاثي برفقة المنتخب، كان آخرها كأس العالم عام 2014، رفعت من أسهمهم في الكرة الألمانية، بعد أن أكمل اللاعبون الثلاثة فيما بينهم 246 مباراةً دوليةً للمنتخب الألماني. شارك توماس مولر في 100 مباراة دولية مع المنتخب سجل خلالها 38 هدفاً، ماتس هاملز (70 مباراة دولية) وجيروم بواتينغ (76 مباراة دولية).
عام 2014، سجل اللاعب توماس مولر هدفه العاشر في المونديال في نصف النهائي التاريخي أمام البرازيل، ليستكمل الفتى الذهبي وهداف مونديال 2010 مشواره المتألق برفقة المنتخب الألماني. الأرقام الكبيرة التي دوّنها مهاجم نادي بايرن حينها، جعلت منه أمل الكرة الألمانية، حيث بات الحديث الأول عن مولر كونه أقرب اللاعبين الألمان لكسر رقم ميروسلاف كلوزه (الهداف التاريخي لبطولة كأس العالم بواقع 15 هدفاً)، غير أن لوف وقف حاجزاً أمام ذلك، في قرارٍ أسال الكثير من الحبر في الصحف الألمانيّة والعالمية. مع تغيير لوف رسمه التكتيكي لـ (3-4-3) لم يعد هناك مكان لمهاجم نادي بايرن ميونيخ في المنتخب، الذي لطالما شغل مركزي اللاعب رقم 10 و9 على حدٍ سواء. لقب الهداف التاريخي سيبقى بحوزة ميروسلاف كلوزه. الرقم لن يكسر، أقله ليس عبر مولر.
شكل قرار الاستبعاد عن المنتخب صدمة لدى اللاعبين الثلاثة نظراً لعدم تفكيرهم في الاعتزال، ولكن المدرب اتخذ القرار بإبعادهم عن المنتخب. مع لمس الإدارة لغضب اللاعبين، عبّر مسؤولون في النادي البافاري عن عدم رضاهم على الخطوة، وتحديداً في توقيتها، الذي سيؤثر سلباً على اللاعبين وبالتالي على أداء الفريق. غضب الإدارة يبدو منطقياً، فقرار الاستبعاد جاء في ظل مرور الفريق بفترة حرجة في الدوري الألماني نظراً للمنافسة الشرسة مع بوروسيا دورتموند على صدارة الترتيب العام، والمنافسة في دوري أبطال أوروبا (خرج الفريق أمام ليفربول في دور الـ16). ولكن مدرب المنتخب دعم موقفه موضحاً أنه اتخذ قراره من أجل تمهيد الطريق لجيل جديد من المواهب الألمانية.

يعتمد مدرب المنتخب يواكيم لوف على تشكيلة شابة في المرحلة المقبلة


رغم مساهمة اللاعبين الثلاثة في إنجازات جيل 2014 الذهبي، فهم كانوا أيضاً سبباً مباشراً في خيبة 2018، بعد أدائهم الباهت، حالهم كحال أغلب اللاعبين آنذاك. رغم النتائج الكارثيّة في الفترة الماضية، حظي لوف بثقة الاتحاد الألماني لكرة القدم بعكس المتوقع، فبدأ عملية إعادة التأهيل لتجنّب أي مشاكل مستقبلية. استبعاد اللاعبين الثلاثة قد يبدو غريباً، لكن الأمر كان متوقعاً نظراً لاختيارات لوف في الفترة الأخيرة، التي تركت طابعاً تمهيدياً للخطوة اللاحقة. مثّل عام 2017، رؤية لوف الجديدة لمستقبل المانشافت. بتشكيلةٍ لم تضم أكثر من ثلاثة لاعبين من الذين توجوا بمونديال البرازيل، تمكن المنتخب الألماني من التتويج ببطولة كأس القارات للمرة الأولى في تاريخه بفوزه على منتخب تشيلي، بطل أميركا الجنوبية في المباراة النهائية. جاء التتويج عبر تشكيلةٍ لم يتجاوز معدل أعمارها الـ 23 عاماً حينها. المدرب عاد لتشكيلته القديمة في المونديال الروسي، ودفع ثمن ذلك غالياً. بدأت مؤشرات نهاية جيل 2014 تظهر في يورو 2016، عندما خسر الألمان نصف النهائي لصالح فرنسا بهدفين نظيفين. لم يكن إنجاز 2017 كفيلاً بإقناع لوف في تمثيل الشباب لاستحقاق المنتخب الأكبر في مونديال 2018، إذ عاد المدرب الألماني إلى عدد من حرسه القديم في المونديال الأخير تفضيلاً منه لعنصر الخبرة على حساب الاندفاع الطموح. نتائجُ سيئة في التحضيرات لم تغيّر قناعات المدرب الذي أدى بسبب خوفه إلى سقوط بطل النسخة الأسبق في المونديال الأخير. أمرٌ قد يتكرر في النسخة الجديدة لألمانيا، إذا فشل لوف مرة أخرى في إيجاد التوازن بين الإمكانات الفنية للاعبين والشخصية القيادية على حدٍّ سواء.
نقطة واحدة يمكن أن تعطي أفضليّة للجيل القديم على حساب الجيل الجديد، فالمواهب الموجودة في تشكيلة المنتخب الآن مهمّة وتمتلك الكثير من القدرات الفنيّة والعقلية الاحترافية، إلّا أن البعض وجد بقرار لوف مخاطرة، وبوصف آخر «ضرب من المقامرة»، لأنه حتى لو تم تعويض الثلاثي البافاري بلاعبين شباب يوازونهم مهارياً، سيواجه لوف صعوبةً كبيرة تتمثل بغياب أبرز ثلاث شخصيات قيادية في غرفة الملابس. ولكن تبقى هذه وجهات نظر، والتغيير سيحصل عاجلاً أم آجلاً. على المستوى الفني، يبدو أن الفراغ الذي سيولده اللاعبون الثلاثة قد لا يكون كبيراً. بوجود لاعبين شباب في الخط الخلفي على غرار تيلو كيرير، نيكو شولز وأنطونيو روديغر، سيتجاوز المنتخب رحيل كل من هاملز وبواتينغ، في حين سيقود تيمو فيرنر، وليروا سانيه وسيرج غنابري خط الهجوم للمنتخب خلفاً لمولر. تبقى المعضلة الأخيرة بوجود مانويل نويير، آخر الصامدين من الحرس القديم. مع بروز تير شتيغن بصورة لافتة في السنوات القليلة الماضية، وتصنيفه كأحد أفضل الحراس في العالم، إن لم يكن أفضلهم. بقاء مانويل نوير بالشكل لا يتناسب مع مشروع لوف الجديد، على اعتبار أن بقاءه أساسياً في حراسة مرمى المنتخب، سيولّد أجواء سلبية نتيجة عدم التوازن في الفرص، خاصة أن شتيغن لا يقل شأناً عنه في الفترة الحالية.
الاختبار الأول ليواكيم لوف أمام صربيا ثم أمام هولندا في التصفيات الرسمية، لا شك أنه سيعطي صورة واضحة عن إمكانات المنتخب خلال الفترة المقبلة، وربما في حال الفشل تكون الفرصة الأخيرة للمدرب الألماني.



جيل جديد يحتاج إلى الدعم
طالب اللاعب السابق والمدير الإداري الحالي للمنتخب الألماني لكرة القدم، أوليفر بيرهوف، الجماهير والنقاد وجميع المتابعين للمنتخب في ألمانيا، بالصبر على القائمة الشابة لمنتخب بلاده التي تم الاستقرار عليها مؤخراً، والتي من المقرر أن تخوض غمار التصفيات المؤهلة إلى بطولة أوروبا المقبلة (يورو 2020). كلام بيرهوف جاء خلال مؤتمر صحافي عقد على هامش معسكر المنتخب قبل ساعات على لقاء المنتخب الصربي وديّاً في فولفسبورغ، ومواجهة هولندا يوم الأحد المقبل في أولى مباريات التصفيات الأوروبيّة. وتحدّث بيرهوف عن استعدادات المانشافت للقاء هولندا، وصربيا.
وقال مدير المنتخب إن الجيل الجديد بحاجة إلى الوقت والثقة لكي يؤدي بشكل جيّد، ويتمكن من تحقيق الفوز، معتبراً أن "الكل يعلم أننا نشكل معاً جيلا جديداً يجري فرزه في الوقت الراهن. المنتخب عليه أن يتلمّس أقدامه قبل مطالبته بالفوز بالألقاب". وأكّد بيرهوف أن المنتخب سوف يقع في الخطأ ويعاني من الصعوبات، مطالباً الجماهير بالغفران للفريق إذا لم تتقدم الأمور على النحو الأمثل بشكل سريع، لكنه اعتبر أن المستقبل سيحمل الأخبار الجيّدة، قائلاً، "ألمانيا سوف تعود إلى قمة العالم بأسرع ما يمكن".
وأكد المدير الإداري أن سيرجي غنابري، لاعب المنتخب ونادي بايرن ميونيخ، لن يشارك في المباراة يوم غد الأربعاء أمام منتخب صربيا، بسبب المرض (تعرض لنزلة برد)، لكنه قد يلحق بالمواجهة أمام هولندا نهاية الأسبوع.


التكبر تسلل إلى المنتخب
أكد اللاعب الألماني السابق والمدرب الحالي يورغن كلينسمان، أن الكرة الألمانية تعاني كثيراً هذه الفترة على أكثر من مستوى. ودق كلينسمان ناقوس الخطر حول مستقبل الأندية والمنتخب الألماني على حد سواء. خروج جميع الأندية الألمانية من دوري أبطال أوروبا من الأدوار الأولى، طرح علامات استفهام كبيرة. وقال كلينسمان إن الحديث في ألمانيا عن الأداء ومستقبل الفرق لم يتوقف منذ ثلاث سنوات، ولكن لم يتغيّر أي شيء. ووصف كلينسمان نتائج المنتخب الألماني بالكارثية. واعتبر المدرب الحالي ولاعب المنتخب وبايرن ميونيخ السابق أن السبب الأول للفشل هو التكبر، والغرور والشعور بالغطرسة الذي تسلل إلى المنتخب الألماني لكرة القدم بعد الفوز في كأس العالم عام 2014. واعتبر كلينسمان في تصريحات له مؤخراً، أن كلّ ما تقوم به إدارة المنتخب الآن لا يمكن أن يصلح الأخطاء، مؤكداً أن الكرة الألمانية باتت بحاجة إلى عملية إعادة هيكلة كبيرة، والعمل على تطوير المواهب الشابة، كما يحصل الآن في أندية لايبزغ وهوفنهايم وهيرتا برلين.