علامات استفهام كبيرة طرحها تصرف حارس نادي تشيلسي الإنكليزي كيبا أريزابالاغا خلال مباراة فريقه مع نادي مانشستر سيتي قبل أيّام. الحارس صغير السن رفض قرار مدرّبه بالخروج من الملعب، ومع ذلك فإن قائد الفريق لم يتدخّل. تصرّف اللاعب أثر على زملائه وعلى الفريق وأدّى إلى خسارتهم كأس الرابطة الإنكليزية. تمرّد كيبا، نمّ بوضوحٍ عن عدم احترامه لقرار المدرّب، ولزملائه وبالتالي كان يجب على القائد أن يحسم الأمور، لو كان قائداً حقيقيّاً. هذا الأمر فتح الباب على القائد اليوم ودوره في الفريق.

بعد تصرّف كيبا غير المقبول في مباراة تشيلسي ومانشستر سيتي، سئل قائد الفريق اللندني سيزار أزبيلكويتا وقتها عن الحادثة وما التبرير المناسب لها، فأجاب أن ليست له دعوى بما حدث، في حين قال قائد الفريق السابق جون تيري، الذي كان ضيفاً لتحليل المباراة على قناة «سكاي سبورتس»، إن ما حدث مشين، إذ لا بدّ من خروج اللاعب فور رؤية رقمه على اللوحة الرقمية للتبديلات.
بعد أن كان الـ«كابتن» ممثلاً لفكر المدرب وقائداً لخطته على أرض الملعب، باتت مهامه محصورة اليوم باختيار الجهة التي سيلعب فيها فريقه قبل بداية المباراة.
هذه القصة الصغيرة، تأخذنا على مكان آخر، وهو الأزمة الحقيقية التي تعيشها الملاعب وتتمثّل بندرة قادة الفرق، إذ بات من الصعب العثور على قائد بشخصية قويّة، كما أصبحت المحسوبية الجديدة في اختيار القائد تحول دون بروز قائد فعلي للفريق. بعد أن كانت مسؤولية تضع ثقلاً على حاملها، باتت شارة القيادة تقليداً غير مهم تعطى للاعبين غير كفوئين. في أغلب الأندية، يحظى اللاعب الأكثر قدماً بشرف حمل شارة القيادة، تكريماً لعطائه طوال الفترة التي قضاها داخل النادي. تحل هذه الطريقة الكثير من المشاكل، منها تنافس بعض اللاعبين على خلافة القائد السابق، كما تعمل على تحفيز اللاعبين الصغار للبقاء أكثر في النادي بغية الحصول على هذه الشارة. غير أن نقطة الضعف في هذه المسألة هي أن شارة القيادة ليست جائزة مرهونة بالوقت، ولا يجب أن تكون متاحة للجميع، فمن السهل جداً البقاء في نادٍ ما لفترةٍ طويلة، غير أن الصعوبة تكمن بأن يملك اللاعب شخصية قائد. وهنا الحديث عن قائد حقيقي. بسبب هذه السياسة، خلف غاري كاهيل مواطنه جون تيري في قيادة الفريق، على رغم عدم تحليه بسمات القائد، ولا حتى بالقدرات الفنية التي تجعل منه مبعث ثقةٍ للاعبين والجماهير.
يعنى القائد بأمورٍ عدة تتخطى قطعة القماش التي تربط زنده الأيسر، إذ إن على القائد ضبط اللاعبين داخل الملعب، تحفيزهم قبل بداية كل مباراة، وخلق أجواء مثالية داخل غرفة ملابس الفريق. القائد لا يكتسب صفات القيادة، القائد يولد قائداً.

يُعنى قائد الفريق بأمورٍ كثيرة داخل الملعب وخارجه تتخطى قطعة القماش التي تربط زنده الأيسر


يعكس القائد حالة الفريق، إذ يعد المؤشّر الأول لوضع اللاعبين حتى إن لم ينطق، لغة الجسد وحدها كفيلة بذلك. كما يقال في إنكلترا، «إن أردت أن تعرف حالة ليفربول، أنظر إلى ستيفن جيرارد»، اليوم، لا يمكن الأخذ بهذه المقولة مقياساً لنجاح الفريق من عدمه، إذ يمرّ ليفربول بموسمٍ استثنائي، ومع ذلك، لا يمكن النظر إلى قائد الفريق جوردان هندرسون لمعرفة مسار النادي، إذ سيظهر سيئاً دائماً بحسب تلك المقولة.
التسرع في إعطاء الشارة لأحدهم، قد يودي بمصير النادي بأكمله نحو المجهول، إذ إن اختيار الشخص يجب أن يتم بحسب شخصيّة اللاعب وأدائه على حدٍّ سواء. ظهر جلياً الخطأ الكبير الذي وقع به إنتر ميلانو، بعد أن عين النادي ماورو إيكاردي قائداً للفريق منذ أن كان بعمر الـ19 عاماً. الشخصية الكبيرة للشاب الأرجنتيني في الملعب والثبات الدائم في المستوى، نمّا عن بعض خصال القادة، غير أن الجانب المظلم من شخصيته ظهر شيئاً فشيئاً ليكلف الفريق الكثير، مولّداً أجواء سلبية في غرف الملابس. بعد تهديده للجماهير بإرساله عصابات من الأرجنتين العام الماضي، ظهر تمرد اللاعب في الآونة الأخيرة بعد أن رفضت وكيلة أعماله الاجتماع مع إدارة النادي لتجديد عقده. أمرٌ قسم غرفة الملابس بين مؤيدين ومعارضين لموقف اللاعب، ليأتي تجريد إيكاردي من شارة القيادة واستبعاده من مباريات الفريق الأخيرة حلّاً وسطاً للسيطرة على غرف الملابس.
الموهبة وحدها لا تكفي للقيادة، تشهد على ذلك موهبة الأرجنتيني ليونيل ميسي الفذة التي لم تكن كافية لإنجاز شيء يذكر على الصعيد الدولي. يعد ميسي أحد أفضل اللاعبين في التاريخ، إنجازاتٌ كثيرة عرفها مع برشلونة محلياً وأوروبياً، على رغم ذلك، فشل الأرجنتيني بالتتويج مع منتخب بلاده بعد خسارته ثلاثة نهائيات. المنظومة لم تخدم اللاعب ربما، غير أنّها ساعدته للوصول إلى ثلاث مباريات نهائيّة. ثلاث مباريات كانت لتعطي ميسي ثلاث بطولات رفقة منتخبه، لكنه فشل، وهو ما انتقده الكثير من متابعي الكرة عليه، أبرزهم أسطورة الأرجنتين دييغو أرماندو مارادونا، الذي لا ينفكّ عن الخروج بتصريحات بعدم تمتع ميسي بصفات القيادة، خصوصاً بعد إعلانه اعتزال اللعب الدولي بعد كوبا أميركا 2016، ليتراجع بعد ذلك عن هذا القرار.
كرة القدم جزءٌ من الحياة، دائماً في تطوّرٍ وتقدّم. مع الطفرة المالية التي شهدتها كرة القدم أخيراً، إضافةً لانصياعها للعولمة، زادت قيمة اللاعبين ووزنهم في غرف الملابس، ما انعكس سلباً على المدربين والقادة على حدٍّ سواء. خلقت الأجور العالية حالةً من التساوي بين لاعبي الفرق، حتى أنه بات الكلام ممكناً عن اقتناع اللاعبين بأهمية اللاعب أكثر كلما ارتفع راتبه الشهري. أمرٌ أدّى إلى انكماش دور القادة في الأندية، كما أن بعض اللاعبين صغار السن، والذين لا يتمتعون بموهبة استثنائية باتت رؤوسهم حامية، ولا يلتفتون لملاحظات مدرّب، ولا كلام قائد الفريق. الجميع يتذكر قصة السير أليكس فيرغسون مع النجم الإنكليزي دايفيد بيكهام. مدرب مانشستر يونايتد ضرب بيكهام بالحذاء، وأصاب جبينه، لكن الأخير لم يرد على مدربه، ولم يتحدث للإعلام. كان المدرب بعبعاً، كان رئيساً وقائداً. هل يستطيع ساري أن يضرب كيبا في غرفة الملابس اليوم، بالتأكيد لا.
في الجيل الحالي، لم يظهر قائد حقيقي في كرة القدم إلّا أخيراً. هناك، في بلاد الطواحين، أظهر ماتيس دي ليخت تحليه بصفات القائد على رغم صغر سنه، إذ لم تقف الـ19 عاماً التي عاشها اللاعب الهولندي أمام قيادته لفريقٍ عريقٍ كأياكس، ليثبت أنّ العمر ليس مقياساً للقيادة. مع تقدم قادة الجيل السابق بالعمر، وانصياع تصنيف الأهمية تبعاً لعامل المال، تتجه كرة القدم إلى أزمةٍ حقيقية في ظل عدم وجود قائد حقيقي يضبط بقية اللاعبين على أرض الملعب. أمرٌ قد يظهر حالات مشابهة لحادثة كيبا من حيث عدم انضباط السلوكيات في المستقبل القريب. كرة القدم اليوم بحاجة إلى القائد، لكي يتم وضع حد لبعض «المنفوخين» إعلاميّاً خصوصاً في إنكلترا. من عايش جيل فرانشيسكو توتي، وباولو ماليدني، وغاتوزو اللاعب، وحتى ستيفين جيرارد، يدرك جيّداً أن صفات القائد غير موجودة بمعظم قادة الجيل الحالي. فليس من المنطقي أن يقود أزبيلكويتا تشيلسي، أو أن يقود هاري كاين المنتخب الإنكليزي، وغيرهم الكثير من الأسماء. كل قائد من الجيل القديم، كان يقف على رأس فريق مدجج بالنجوم، ولكن كلمته كان مسموعة، لأن الاحترام كان موجوداً، وكل لاعب كان يعرف قيمة نفسه وقيمة زملائه، لأن الميديا لم تكن قد أفسدت رؤوس اللاعبين.