بعد النجاح الكبير الذي حققته كأس العالم في روسيا الصيف الماضي، أثبت مونديال السيدات الذي أسدل الستار أخيراً على منافساته تفوقاً لافتاً أيضاً يُحتسب له. نجحت فرنسا في استضافة البطولة التي أثبتت أنها الحدث الأكبر والأهم بين جميع نسخ كأس العالم للسيدات. لم تشهد أي بطولة سابقة حضور هذا العدد الهائل من المواهب وتنافساً كالذي عرفته هذه البطولة. أربعة أسابيع متتالية من الحماسة والندّية بين منتخبات من مختلف بقاع الأرض، كانت كفيلة بتغيير الكثير من وجهات النظر التي تعتبر كرة القدم النسائية مملّة أو أقلّ شأناً من كرة قدم الرجال.

المباراة الافتتاحية لمونديال السيدات والتي جمعت بين منتخبي الولايات المتحدة وتايلاند، كانت الإشارة الأولى إلى أنّ كأس العالم هذه ستكون حافلة بالأرقام القياسية. بطبيعة الحال، هذه الأرقام وُجدت كي تُكسر، وهو الأمر الذي نجحت اللاعبات بفعله. من تحقيق أكبر هامش فوز بالبطولة، مروراً بتسجيل أكبر حضور جماهيري، وصولاً إلى تسجيل أكبر عدد من الأهداف في تاريخ كأس العالم، كتبت السيدات تاريخاً جديداً. اللافت هذا العام أنّ جزءاً كبيراً من الجمهور الكروي الذي غالباً ما يتعامل مع هذه البطولة كمُلحق لبطولة الرجال، تغيّر موقفه منها بعد مشاهدته للمباريات، ليأخذها على محمل الجدّ كحدثٍ رئيسي يستحق المتابعة بشغف. وعلى ضوء المستوى الاستثنائي الذي برز خلال العرس العالمي، كشف رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» السويسري جياني إنفانتينو عن استثمار عالمي بقيمة مليار يورو من قبل فيفا في كرة القدم النسائية، لافتاً إلى أنه «يجب الاستثمار لتنمية كرة القدم النسائية في جميع أنحاء العالم»، ولا سيما أنه وصف النسخة الحالية المقامة في فرنسا بأنها «أفضل كأس عالم للسيدات في التاريخ». وفي ظل التذمر من الفوارق الهائلة من حيث العائدات المالية التي تحصل عليها النساء، مقارنة بالرجال، كشف إنفانتينو أنّ الفيفا ستضاعف التقديمات المالية للمنتخبات المشاركة في كأس العالم للسيدات، مع توجه لإطلاق بطولة العالم لأندية السيدات «اعتباراً من العام المقبل».
يبرز إذاً ارتفاع في مستوى الاهتمام العالمي بكرة القدم النسائية حول العالم، الأمر الذي يبدو مؤشراً جيداً لبداية حقبة جديدة من كرة السيدات. ما أثار حماسة المنظمين للبطولة والرعاة هو الجمهور الكبير الذي تابع البطولة، ليس فقط عبر الحضور على المدرجات، بل عبر البث التلفزيوني. وهذا ليس بالأمر المستغرب، فمنافسات المونديال الفرنسي أظهرت المهارات الفنيّة والمستوى الاحترافي لدى اللاعبات، ولا سيما لدى المُتوّجات باللقب. مَن تابع البطولة شاهد أنّ ما قامت به سيدات الولايات المتحدة فاق كل التوقعات. لا شكّ أنّ اللاعبات دخلن البطولة وهنّ من أكبر المرشحات للحفاظ على اللقب، إلا أنّ اللافت أنّهن حققن غايتهنّ بسلاسة ومن دون أي خسارة. نصيب الأسد من الأرقام القياسيّة خلال هذه البطولة كان للأميركيات اللاتي توّجن باللقب الرابع في تاريخهنّ بعد أعوام 1991، 1999 و2015. كما انفردت الولايات المتحدة بالرقم القياسي في عدد المباريات التي لم تهزم فيها في النهائيات، رافعةً رصيدها إلى 17 مباراة دون خسارة. أرقام قياسية كثيرة تم تحطيمها في هذه النسخة من البطولة العالمية.

أعلى نتيجة في البطولة
نجح المنتخب الأميركي لكرة القدم للسيدات في تحقيق أكبر نتيجة في تاريخ بطولة كأس العالم للسيدات بتغلبه على تايلاند بنتيجة (13-0) في المباراة التي جمعت بين الفريقين ضمن منافسات دور المجموعات، متفوقاً على النتيجة القياسية السابقة التي حققها المنتخب الألماني أمام الأرجنتين (11-0) في مونديال الصين2007. كما حقق رقماً قياسياً أيضاً في عدد اللاعبات اللاتي نجحن في تسجيل أهداف في مباراة واحدة (7 لاعبات)، حيث كانت ألمانيا والنرويج صاحبتَي الرقم القياسي القديم (ست لاعبات).

نسب المشاهدة عبر التلفزيون فاقت كل التوقعات وخاصة في أوروبا وأميركا


حضور جماهيري قياسي
نجحت مباراة منتخبي أميركا وإنكلترا في نصف نهائي كأس البطولة في تسجيل رقم قياسي جديد في الحضور الجماهيري لمباريات البطولة. وكشف الاتحاد الدولي لكرة القدم أنّ الحضور الجماهيري للمباراة، التي أقيمت على ملعب غروباما ستايديوم، بلغ بالتحديد 53.512 ألف مشجع، ليكسر الرقم القياسي السابق في البطولة الحالية، وهي البطولة التي نجحت في كسر الرقم القياسي 4 مرات.

هدافة تاريخية
أصبحت المهاجمة البرازيلية مارتا أفضل هدافة في تاريخ نهائيات كأس العالم لكرة القدم في فئتي الرجال والسيدات، بعدما ساهمت في فوز منتخب بلادها على إيطاليا في الجولة الثالثة لمنافسات المجموعة الثالثة. وسجلت مارتا صاحبة الـ 33 عاماً والتي نالت جائزة أفضل لاعبة في المباراة، ركلة جزاء عند الدقيقة 74، لتحرز هدفها الـ 17 في 5 نسخ من النهائيات، متخطيةً الألماني ميروسلاف كلوزه صاحب الـ 16 هدفاً في 4 نسخ من النهائيات.

اللاعبة الأكبر سناً
حققت لاعبة كرة القدم البرازيلية المخضرمة فورميغا رقمين قياسيين خلال مشاركتها في المباراة أمام المنتخب الجامايكي، في افتتاح مباريات الفريقين بالمجموعة الثالثة، لتحفر بذلك اسمها في سجلات التاريخ ببطولات كأس العالم للسيدات. وخاضت فورميغا بعمر الـ 41 عاماً و98 يوماً المباراة لتصبح بهذا أكبر لاعبة تشارك في النهائيات على مدار تاريخ البطولة. كما أصبحت أول لاعبة تشارك في سبع نسخ من البطولة، علماً بأنها بدأت المشاركة في البطولة عام 1995.
مشاهدة تلفزيونية تتخطى المتوقع
لم يقتصر الأمر خلال هذه البطولة على تحقيق الأرقام القياسية داخل الملاعب. فقد توقعت محطة «تي.إف1» الناقل الفرنسي الرئيسي لمباريات المونديال أن تستقطب المباراة الافتتاحية للفريق ما يصل إلى 5 ملايين مشاهد. إلا أنّ الأرقام قفزت لتبلغ 10.9 ملايين مشاهد. في المقابل، سجلت فوكس سبورتس، التي تمتلك حقوق النقل باللغة الإنكليزية، رقماً مُفاجئاً ببلوغها 8.24 ملايين مشاهد تلفزيوني في المباراة التي جمعت فرنسا والولايات المتحدة في دور ربع النهائي، لتصبح مباراة كرة القدم الأكثر مشاهدة على شاشة التلفزيون الأميركي منذ نهائي كأس العالم للرجال الصيف الماضي.