قبل أيام ضجّت في الولايات المتحدة الأميركية قضية مطالبة لاعبات المنتخب الأميركي للسيدات ــ عبر الدوائر القانونية ــ بالمساواة، أو أقله الحصول على حقوقٍ تقارب ما يحصل عليه منتخب الرجال من الاتحاد المحلي للعبة. سيدات أميركا اللواتي دخلن المونديال الحالي المقام في فرنسا وهنّ يدافعن عن اللقب العالمي، لطالما سجّلن حضوراً قوياً في نهائيات كأس العالم، حيث يُعَدّ المنتخب الأميركي الأنجح في تاريخ البطولة بألقابه العالمية الثلاثة. وهذا طبعاً بعكس منتخب الرجال الذي لم يتمكن من الخروج من ظل المنتخبات الكبيرة في العالم، وبقي في ظل إنجازات السيدات أو منتخبات أميركية لرياضات شعبية أخرى على غرار كرة السلة.

لاعبات المنتخب الأميركي لم يطالبن بأشياء مستحيلة، بل بأمورٍ تعدّ من البديهيات والأساسيات، وهنّ طبعاً يستحققنها بحكم ما تمكنّ من تقديمه لسنواتٍ طويلة، إذ ضمن مطالبهن الأساسية رفع القيمة المالية لقاء تمثيلهن للمنتخب، ورفع قيمة المكافآت الخاصة بالبطولات، وخصوصاً المونديال، إضافةً إلى معاملتهن أسوةً بالرجال لناحية توفير الراحة في السفر وأماكن الإقامة خلال المعسكرات والاستحقاقات.
هذه المطالب تؤكد فعلاً عمق الهوّة في عالم الكرة بين الرجال والسيدات. اللعبة في البداية بُنيت حول الرجال، والاهتمام بكرة قدم السيدات لم يبدأ من فترة طويلة، وهذا الأمر أدى إلى أن تكون القيمة التسويقية والمالية في كرة القدم عند الرجال عالية جداً، مقارنة بكرة القدم عند السيدات. ولكي تصل الأمور إلى مرحلة متساوية نسبياً، فإن المسؤولين عن اللعبة مدعوون إلى القيام بمشروع كبير جداً، على مستوى الأندية والبطولات.
وكما في أميركا، تبرز المشكلة بنحو مشابه في أوروبا، وتحديداً في فرنسا. منتخب السيدات الذي يقدم كرة قدم جميلة أخيراً، رفعت لاعباته الصوت وطالبن بسقفٍ أعلى للمكافآت المرصودة لهنّ في حال الفوز بالمونديال، إذ كان الاتحاد الفرنسي قد حدد مكافأة بقيمة 50 ألف يورو في حال تحقيق المنتخب الإنجاز الصعب، بينما حصل كل لاعب من منتخب الرجال على 500 ألف يورو مكافأةً للفوز في كأس العالم الصيف الماضي! واللافت أن المونديال الحالي خلق حراكاً في عالم كرة القدم النسائية، وهو أمر يمكن تشبيهه بالثورة العالمية، إذ لم ينحصر الموضوع بين الولايات المتحدة وفرنسا، فقد رفضت لاعبات المنتخب النيجيري مغادرة الفندق بعد خروجهن من دور الـ16 أمام ألمانيا (0-3)، إذ طالبن بحقوقهن المالية أيضاً. هذه الخطوة ليست بالجديدة لمن يتابع المنتخب الإفريقي، إذ سبق للنيجيريات أن أقدمن على هذه الخطوة بعد فوزهن بلقب بطولة إفريقيا، وذلك لانتزاع حقوقهن.

نيمار و1693 لاعبة
دراسات كثيرة حاكت قضية المساواة في كرة القدم، وخلصت إلى فارق كبير في ما يتقاضاه الجنسين. إحدى هذه الدراسات أخذت النجم البرازيلي نيمار كعيّنة حول الفوارق في الرواتب بين الرجال والنساء، وهي فوارق تأخذ حجماً أكبر من أي مجالٍ آخر، مثل الطب أو التعليم أو غيرها...
الواقع أن راتب نيمار الذي يقارب 42 مليون يورو في الموسم مع باريس سان جيرمان، يوازي ما تتقاضاه كل اللاعبات الناشطات في أهم 7 بطولات محلية حول العالم. وبشكلٍ أدق، يعادل راتب نيمار ما تحصل عليه 1693 لاعبة ينشطنَ في بطولات ألمانيا، فرنسا، إنكلترا، الولايات المتحدة، السويد، أوستراليا، والمكسيك.

يوازي ما يتقاضاه نيمار ما تحصل عليه 1693 لاعبة كرة قدم


هناك في قسمٍ من البلدان المذكورة تبدو الفوارق ضخمة أيضاً. فإذا أُخذ بالاعتبار فريق مثل ليون الفرنسي، وهو أفضل فرق العالم عند السيدات، يظهر أنه يدفع ما معدله 180 ألف دولار رواتب سنوية للاعباته، وهو رقم ينخفض بنحو «رهيب» في إنكلترا، حيث يصل إلى 34 ألف دولار للاعبة الواحدة، بينما يصل معدل رواتب اللاعبين السنوية في «البريميير ليغ» إلى 3.3 ملايين دولار. كذلك سبق أن كشفت لاعبات في الدوري الإنكليزي أن هناك رواتب شهرية تراوح بين 320 و1900 دولار لدى بعض الفرق، في وقتٍ يتخطى فيه معدل الراتب الشهري عند فرق الرجال الـ250 ألف دولار، بحسب آخر الإحصاءات المحلية.

غبن مستمر
ليس مُستغرباً التوقف عند مشكلة المساواة بالنظر إلى تاريخ اللعبة في بعض البلدان، إذ إن إنكلترا ــ على سبيل المثال ــ وهي مهد كرة القدم، كانت قد منعت تنظيم بطولات خاصة بالسيدات لمدة خمسة عقودٍ، وتحديداً حتى عام 1971، قبل أن تطلق حديثاً دورياً محترفاً لأندية السيدات. وعند الكلام عن الاحتراف، يبرز الفارق الكبير، إذ إن دراسة إنكليزية تشير إلى وجود 137,021 لاعباً محترفاً حول العالم مقابل 1287 لاعبة محترفة فقط، ما يجعل السيدات يشكلن 0.93% فقط لا غير من نسبة ممارسي اللعبة على المستوى الاحترافي.
ورغم إيمان بلدانٍ وشعوبٍ كثيرة بالكرة النسائية على غرار إسبانيا، حيث احتشد أكثر من 60 ألف متفرج لمتابعة اللقاء بين برشلونة وأتلتيكو مدريد في «الليغا»، فإن اللاعبات يقفن خلف اللاعبين، خاصة في ملف البدلات المالية، إذ إن عمل الاتحاد الدولي لنشر اللعبة على مستوى السيدات وضخّ الأموال في الاتحادات الوطنية لتنشيطها وتطويرها، لم تواكبه أي خطوات عملية من مؤسسات كروية عظمى أخرى. وإذا أخذ الاتحاد الأوروبي كعيّنة يمكن لمس هذا الأمر، إذ إن «اليويفا» يمنح 99.8% من أرباح مسابقة دوري أبطال أوروبا إلى فرق الرجال، فيما تحصل فرق السيدات على 0.2% فقط، وذلك رغم ارتفاع نسبة المتابعة التلفزيونية للكرة النسائية في الأعوام القريبة الماضية، وارتفاع أيضاً سعر حقوق البث التي تباع إلى بلدانٍ عدة في «القارة العجوز»، وخصوصاً تلك التي تنافس فرقها في «التشامبيونز ليغ» حيث تبدو المحطات مستعدة لدفع أرقامٍ كبيرة مقابل نقل المباريات عبر شاشاتها.
باختصار، هذا هو الحال في عالم الرياضة عامةً، إذ لا يمكن تصوير كرة القدم بصورة الظالم الوحيد للنساء، وإحصائية بسيطة من رياضة أخرى يمكن أن تؤكد هذه المقولة، فهناك في «بلاد العم سام» حيث تطالب سيدات كرة القدم بالمزيد من الحقوق، تبدو الهوة ضخمة أيضاً بالنسبة إلى نظرائهن المحترفات في كرة السلة، حيث يصل معدل الراتب السنوي للاعبة في الـ WNBA إلى 73 ألف دولار، بينما يصل المعدل عند لاعبي الـ NBA إلى 7 ملايين دولار سنوياً.