شهد متنزه غوديسون في إيفرتون الإنكليزية عام 1920 مباراة كرة قدم بين سيدات فريقي «سانت هيلين» و«دك كير»، بحضور نحو 53 ألف متفرج. الحضور الهائل لم يكن فقط من داخل الملعب، بل حضر الآلاف المباراة من خارج المتنزه أيضاً. كرة القدم النسائية التي عرفت التهميش والإهمال لعقود طويلة، ازدهرت في تلك الفترة في إنكلترا، إلا أنّ الأمر لم يطل على تلك الحال، فبعد عامٍ واحد فقط حظر اتحاد كرة القدم على النساء، ممارسة كرة القدم في ملاعب الرجال، بحجّة «أنّ لعبة كرة القدم غير ملائمة للنساء، ولا يجب تشجيعها». اليوم وبعد ما يقارب الـ100 عام على تلك الحادثة، اختلفت الأمور بشكل كبير بالنسبة إلى رياضة السيدات، التي بدأت تأخذ حيزاً أكبر من الاهتمام والمتابعة.

تتزايد شعبية كرة القدم النسائية حول العالم يوماً بعد الآخر، حتى باتت معظم الأندية الأوروبية تمتلك فريقاً خاصاً بالرجال والسيدات. بعد سنوات طويلة من تعرض نادي ريال مدريد للانتقادات بسبب عدم امتلاكه حتى الآن فريق كرة قدم خاصاً بالسيدات، قررت الإدارة أخيراً تغيير هذا الواقع. لم تقتصر خطط فلورنتينو بيريز رئيس نادي ريال مدريد أخيراً على تطوير فريق الرجال فقط، إذ أعلن النادي الإسباني أنه استحوذ على نادي تاكون المحلي للسيدات، بهدف تأسيس فريق «ملكي» للنساء. وبحسب ما كشفت صحيفة الباييس الإسبانية الأسبوع الماضي، فإنّ ريال مدريد دفع 400 ألف يورو (455 ألف دولار) لشراء النادي. وقد قررت الإدارة عدم اللجوء لخيار تأسيس فريق من الصفر، وفضّلت العمل على ضم نادي تاكون لملكيتها والعمل على تحسينه. فريق السيدات الذي تأسس في العاصمة الإسبانية مدريد عام 2014، صعد إلى دوري الأضواء الموسم الماضي، وهو سيستمر في الظهور باسمه الأصلي في الموسم المقبل، لكنّه سيستعين بملعب تدريبات نادي ريال مدريد، قبل أن يتم في وقت لاحق تغيير اسمه إلى ريال مدريد.

تتزايد شعبية كرة القدم النسائية حول العالم يوماً بعد آخر


لا شكّ أنّ ما ينتظر إدارة النادي الأبيض هو الكثير من العمل لتعزيز الفريق وتطويره، إذ ستركز على إعداد الفريق الموسم المقبل إلى جانب تدريبه وتطويره، بدلاً من الدخول بشكل مباشر إلى المنافسة الجدية على لقب الدوري الإسباني. سيستغرق الأمر وقتاً طويلاً لإدارة ريال مدريد لتشكيل فريق جديد يناسب رؤيتها ووضع اللمسات الأخيرة عليه. وقد قامت إدارة نادي تاكون السابقة بتجديد عقود معظم اللاعبات الحاليات بعد صعودهنّ إلى الدرجة الأولى، ومن المحتمل أن تقوم إدارة الريال بالاحتفاظ بالجزء الأكبر من اللاعبات الموجودات، مع التعاقد مع أسماء جديدة لرفع مستوى الفريق. من غير المرجح أن يقوم بيريز باعتماد سياسة «الغالاكتيكوس» فوراً، إلا أنّ الأكيد أنّ اسماً مثل ريال مدريد سيجذب بعض النجمات اللواتي سيسعين للانضمام إلى الفريق في المستقبل للحصول على فرصة اللعب في صفوف العملاق الإسباني.
من المستغرب أنّ نادي بحجم ريال مدريد استغرق كل هذه السنوات حتى يخرج بقرار تأسيس فريق للسيدات، فهو آخر نادٍ أوروبي كبير وآخر الأندية الإسبانية التي تقوم بهذه الخطوة. ورغم أنّ قرار الإدارة جاء متأخراً، إلا أنه لاقى ترحيباً من الأندية المنافسة، على اعتبار أنّ ذلك سيولّد المزيد من الاهتمام بكرة القدم النسائية في إسبانيا. وجود نادٍ خاص بسيدات ريال مدريد يعني وجود مباريات كلاسيكو نسائية، وديربي أيضاً نسائي بين ناديي العاصمة، ما سيضفي الكثير من الحماس والمتعة على اللعبة، وعلى دوري السيدات تحديداً.
وفي الوقت الذي كان نادي ريال مدريد غائباً عن الساحة النسائية، نجح ناديا برشلونة وأتليتيكو مدريد بالارتقاء بمستوى الرياضة النسائية في إسبانيا. فازت سيدات برشلونة بكأس ملك إسبانيا للعام الثاني توالياً، كما وصلن إلى نهائي دوري أبطال أوروبا (أول فريق إسباني يصل إلى النهائي) وواجهن فريق ليون الفرنسي الذي تُوّج باللقب في نهاية المطاف، في حين حصدت سيدات أتليتيكو مدريد بطولة الدوري الإسباني. تألّق المنافسَين المباشرين للـ«ميرينغي» في نسخة السيدات قد يكون شكّل حافزاً لإدارة ريال مدريد في اتخاذ قرار تأسيس فريق نسائي، لا سيما مع تطور كرة القدم النسائية في أوروبا في السنوات الأخيرة. هذا وقد جذبت مباراة سيدات برشلونة وأتليتيكو مدريد في الموسم الأخير أكثر من 60 ألف متفرج حضروا في ملعب «واندا ميتروبوليتانو» لمتابعة المواجهة المحلية الكبرى، وهو رقم تاريخي في كرة القدم النسائية. هذا الأمر إن يدلّ على شيء فهو يؤكد تزايد الاهتمام والإقبال على مباريات السيدات من قبل الجمهور الكروي. ولا شكّ أن انضمام نادٍ عملاق بمكانة ريال مدريد إلى الدوري الإسباني سيلعب دوراً مهمّاً في جذب المزيد من الاستثمارات للعبة في إسبانيا، لا سيما مع امتلاكه هالةً إعلامية وقوة مالية كبيرة.