قبل انطلاق بطولة الأندية العربية لكرة السلة في قاعة نادي الفحيص في الأردن، رشّح كثيرون فريق بيروت للسيدات للمنافسة، لا بل الفوز باللّقب، وخصوصاً بعدما أثبت جدارته في بطولة لبنان محرزاً لقبها هذا الموسم بتغلّبه على «عميد» الألقاب النادي الرياضي بعد سلسلة جميلة من المباريات بينهما. لكن ما لا يعرفه كل هؤلاء الذين رشّحوا بيروت أن هذا الفريق عاش معاناة العاصمة التي يحمل اسمها وخرج من رحم الصعاب ليفوز بلقبٍ كان بالإمكان اعتباره مستحيلاً بالنسبة إلى الظروف النفسية المحيطة بأي لبناني، وبالنسبة إلى الظروف اليوميّة التي يعاني منها في ظلّ الأزمات المتلاحقة ومنها أزمة المحروقات التي دفعت بالفريق إلى التدرّب في إحدى المرّات في موقف السيارات المحاذي لملعبه بفعل الافتقاد إلى مادّة المازوت لإضاءته!

لكن كل هذا عوّضه وعدٌ قطعه رئيس النادي نديم حكيم بتأمين عناية خاصة بفريق السيدات، وهو أكّد هذا الأمر من خلال العمل الكبير خلال الموسم الماضي، والذي أثمر فوزاً بلقب بطولة لبنان حيث قال وقتذاك بأن هذا اللقب يعني له الكثير، مشيراً إلى مدى أهمية الإنجاز المحقّق ومتوقّعاً المزيد كون فريقه أظهر تكاتفاً وروحاً عائلية قلّ نظيرها، فكان له ما أراد في نهاية المطاف بفضل مجموعة من النجمات المحليات ومع مدربٍ محلي شاب صاحب أفكار مميّزة هو عزت اسماعيل.
أبعاد فوز بيروت باللّقب العربي للسنة الثانية على التوالي يتخطّى مجرّد فوز نادٍ بلقبٍ خارجي، وهي المسألة التي اعتادت عليها كرة السلة على صعيدي الرجال والسيدات منذ أعوامٍ طويلة.
هنا يمكن الحديث عن أوجهٍ عدّة مهمة مرتبطة بهذا الإنجاز أوّلها أنه جاء بفضل تأثيرٍ كبيرٍ للّاعبات المحلّيات ولو أن الفريق البيروتي تعاقد مع الأميركيّتين مونيكا ريد (أفضل مسجّلة في المباراة النهائية أمام الثورة السوري بـ 23 نقطة) وبراندي كار، والدّليل على هذا الكلام، هو اختيار عايدة باخوس أفضل لاعبة (MVP) في البطولة، وذلك في وقتٍ برزت فيه إلى جانبها بأدوارٍ مختلفة ليلى فارس وميرامار مقداد وليا أبي غصن، وكل العناصر اللواتي شاركن في الظروف المختلفة للمباريات، حيث تمكن بيروت من التغلّب على كل الفرق المشاركة في البطولة.

عوّضت سيدات بيروت ما فات فرق الرجال المبتعدة عن الألقاب على الساحة الخارجية


وهذه النقطة تأخذنا إلى الحديث عن مدى رمزية هذا الإنجاز معنوياً وفنياً بعد التراجع الذي أصاب تصنيف كرة السلة اللبنانية على صعيد السيدات على الساحة الآسيوية، ما يعني أن ما تحقّق وفي ظلّ بروز مواهب جديدة في الفئات العمرية والأندية الأخرى المنافسة لبيروت، أنه بالإمكان اعتبار ما تحقّق خارجياً على مدار عامين، وبعد النجاح اللّافت للموسم المحلي والاهتمام الكبير الذي حظي به، وضع حجر أساس لإعادة منتخب لبنان إلى مكانه بين كبار القارة التي ظهر ممثلوها في دورة الألعاب الأولمبية بصورة قوية، فبلغت الصين الدور ربع النهائي واليابان المباراة النهائية التي خسرتها أمام البطل الدائم منتخب الولايات المتحدة الأميركية.
أما الوجه الآخر الذي بالإمكان الإضاءة عليه فهو أن الإنجاز المحقّق يأتي ليُنعش كرة السلة اللبنانية مرةً جديدة في ظل ابتعادها عن الألقاب الخارجية عند الرجال، وهو أمر طبيعي قد يستمر لفترةٍ غير قصيرة مع هجرة النجوم المحليين والافتقاد إلى العنصر الأجنبي. وفي هذا الجانب تبرز نقطة مهمّة وهي تبعد الضغط عن فرق الرجال بحيث إن أي فريق للسيدات يكلّف أقل بكثير حتى لو تمّ استقدام لاعبات أجنبيات، ما يعني أنه في هذه الفترة لن يكون مستغرباً تركيز أي نادٍ يملك فريقاً للسيدات وأمام استحقاقٍ خارجي على تسخير كلّ الإمكانات المتاحة له كون الفرص كبيرة لعودته بميداليّة ما. وهذه المسألة سيستمر بها فريق بيروت، إذ يُنتظر أن يستضيف في السنة المقبلة البطولة العربية على أرضه، ساعياً إلى هدفين، أوّلهما الاحتفاظ باللقب وإحرازه للمرة الثالثة على التوالي، وثانيهما أن يكون بهذا الإنجاز في حال تحقّق أكثر الفرق اللبنانية عند السيدات تربّعاً على العرش العربي.
بطبيعة الحال مهمة بيروت عربياً لم تنتهِ، إذ حوّل أنظاره إلى فريق الرجال بهدف تحقيق إنجازٍ نادرٍ بجمع اللّقبين الإقليميّين، وهو الذي كان قريباً من رفع الكأس في آخر نسختين لكنه خسر المباراة النهائية أوّلاً على أرضه عام 2018 عندما استضافها على ملعب نادي الشيّاح الرياضي، وبعدها في عام 2019 في قاعة فتح الله البوعزاوي في مدينة سلا المغربية، ودائماً أمام نفس الفريق الاتحاد السكندري المصري الذي سيستضيف النسخة المقبلة من 29 الحالي وحتى 6 تشرين الأول المقبل بمشاركة 20 فريقاً، وهو رقمٌ قياسي.
الاتحاد نفسه سيسعى إلى تعزيز رقمه القياسي في عدد الألقاب العربية، لكن بيروت بمجموعة من النجوم المحليّين الذين أضيف إليهم لاعب ارتكاز منتخب لبنان آتر ماجوك (سيشارك كأجنبي) والأميركي أنطوني مايلز، لن يكون مجرد عابر سبيل، أقلّه هذا ما تشير إليه نفس التوقعات التي أصابت عند السيدات، فهل تصيب مجدداً عند الرجال؟