منذ تقديمه نفسه في بطولة الدرجة الثانية وقبل تحوّله إلى بطلٍ عتيد في دوري الكبار، استعان العهد بالمدرسة الأوروبية. هو عاد إليها لفتراتٍ متقطّعة في الأعوام الماضية، متّجهاً تحديداً إلى المدرسة الألمانية بتعيينه روبرت جاسبرت مديراً فنّياً خلال فترتين، وبفتحه الباب أمام مرورٍ سريع لثيو بوكير في ملعبه، إضافةً إلى اعتماده في فترة من الفترات على التركي - الألماني باختيار فانلي.

ثلاثة مدرّبين أوروبيين لم يجلبوا شيئاً إلى النادي الجائع دائماً للألقاب التي باتت مرادفة لاسمه، والطامح دائماً لتخطّي التوقعات التي كلّلها بإنجاز الفوز بمسابقة كأس الاتحاد الآسيوي العام الماضي.
وبين جاسبرت الذي عاش الفترة الأطول، وبوكير الذي سجّل مروراً سريعاً لا يمكن الحكم عليه، وأيضاً فانلي الذي لم يلتقِ مع تطلعات النادي، كان الحلّ الناجع هو المدرّب المحلي، وهي نظرية أثبتها تعيين باسم مرمر الذي بدّل من صورة النادي بشكلٍ كبير وجعله بالفعل «بعبعاً» للفرق الأخرى، وطبعاً غيّر من صورة المدرب اللبناني أمام الخارج، فكان من الطبيعي أن يخطب ودّه نادي العربي الكويتي الذي عيّنه قبل أيام مدرباً له.
التجربة الأولى لجاسبرت مع العهد كانت عند قيادته الفريق في مرحلة الإياب في موسم 2006-2007 حيث قَدِم إليه مباشرة بعد محطّة لافتة أمضاها تحت قيادة الهولندي جو بونفرير ضمن الجهاز الفني لمنتخب كوريا الجنوبية. المدرب الألماني أراد وقتذاك بناء فريقٍ، ما يعني أنه أراد وقتاً طويلاً للعمل، بينما كانت الإدارة العهداوية ترصد منصّات التتويج فقط لا غير.

روبرت جاسبرت


خرج جاسبرت بعدها من المعادلة ومن ثم عاد في عام 2016، لكنّ عودته لم تكن كما تشتهي إدارة العهد مرة جديدة، إذ أن فريقها الذي قدّم أداء مميزاً في الدور الأول من مسابقة كأس الاتحاد الآسيوي (تصدّر المجموعة الأولى أمام الوحدات الأردني)، وفي الدوري اللبناني أيضاً، فقد فرصة الفوز بالبطولة المحلّية بخسارته أمام الصفاء في «مباراة اللقب» (0-2). تلك الخسارة كانت الوحيدة للفريق وقتذاك بقيادة جاسبرت منذ تولّيه إدارته الفنية، لكنها كانت كفيلة بضياع اللقب المحلي، وهو الذي احتاج إلى التعادل فقط.
وهذه النتيجة بالتحديد كانت وراء فسخ عقد الألماني في مرحلةٍ لاحقة، إذ تتّفق غالبية اللاعبين الذين مرّوا تحت إشرافه بأنه معدّ جيّد من الناحيتين البدنية والتكتيكية، لكن قراءته لمجريات المباريات كانت ضعيفة في بعض الأحيان، ومنها خلال تلك الموقعة الشهيرة أمام الصفاء. لكن أحد اللاعبين البارزين في الفريق في تلك الفترة يتوقّف عند مسألة أساسية، وهي أن جاسبرت تغيّر بين الفترتين اللتين تولّى خلالهما تدريب العهد، إذ في الفترة الأولى كان أكثر صرامةً، بينما ظهر في الفترة الثانية وكأنه متهاون ويأخذ بعين الاعتبار بعض الآراء من خارج الكادر الفني.
المهمّ أنه وفي أواخر تشرين الثاني من عام 2016 أراد جاسبرت ترك الفريق بعد تراجع نتائجه، لكنّ الإدارة رفضت استقالته، قبل أن تعمد بعد أيام إلى إقالته بسبب سوء النتائج بعد 4 مباريات مخيّبة جمع خلالها نقطتين فقط، وتلقى خسارتين واحدة كبيرة أمام الأنصار (2-4)، وأخرى مفاجئة أمام شباب الساحل (0-1) الذي كان يحتلّ المركز الأخير في الترتيب العام للبطولة عامذاك.
إذاً انتهت مرحلة جاسبرت قبل المرحلة التاسعة من الدوري، وحلّ مرمر مكانه، وذهب الفريق بعدها ليحرز اللقب في نهاية المشوار، وبفارق 9 نقاط عن وصيفه السلام زغرتا.
بطبيعة الحال، أراد العهد جاسبرت في تلك الفترة لأنه كان يعرف الكرة اللبنانية، وهو السبب الذي دفعه قبلها أي في عام 2011 إلى تسمية بوكير مدرباً له. قيل وقتها إنه المدرب الذي سيبقى لفترةٍ طويلة مع الفريق المدجّج بالنجوم، لكن العهد لبّى النداء الوطني وترك بوكير يذهب إلى تدريب المنتخب الوطني محقّقاً معه النتائج الأفضل في تاريخ مشاركاته في التصفيات المونديالية.

باختيار فانلي

فترة بوكير لم يكن بالإمكان الحكم عليها، بعكس فانلي الذي بدت مشكلته شبيهة بتلك التي أخرجت جاسبرت من المعادلة، فهو مدرب جيّد في التمارين، لكنه لم يكن أفضل مدير فني على أرض الملعب خلال المباريات.
الرجل استقال من تدريب الفريق قبل بداية إياب الدوري اللبناني لموسم 2013-2014، رغم أن العهد كان لا يزال في دائرة المنافسة على اللقب حيث وقف على مسافة واحدة من الصفاء المتصدّر بتساويهما نقاطاً. هو شعر بأسوأ شيء يمكن أن يشعر به أي مدرب، إذ بدايةً غادر مساعده الذي كان أحد أقاربه ومعه كل «داتا» التمارين والاستراتيجيات الخاصة به. أما ثانياً فقد أحسّ فانلي بأن الأمور لن تكون في مصلحته وأن الإقالة ستكون في انتظاره، فالإدارة العهداوية رأت أنها بحاجة للتغيير من أجل مواكبة المرحلة المقبلة، فصدّقت على استقالته فوراً. تراجع بعدها الأداء العهداوي وأنهى الفريق الموسم في المركز الرابع بفارق 7 نقاط عن النجمة المتصدر، وخلف الصفاء والراسينغ على التوالي.
نوعية الأداء قيل إنها السبب، بينما حكى البعض عن علاقة غير طبيعية بين اللاعبين وفانلي تسبّبت بتطييره، حيث لم يحظَ أيضاً بدعم الإدارة التي وقفت غالباً في صفّ لاعبيها. هي مسألة إذا ما كانت صحيحة فلم تكن مستغربة بل حصلت في أكثر من مناسبة في نادٍ يعجّ بالنجوم الأقوياء الشخصية والذين يحتاجون إلى ضابط إيقاعٍ يتماشى مع عقليتهم.
3 مدربين أوروبيين لم يجلبوا شيئاً إلى العهد الجائع دائماً للألقاب التي باتت مرادفة لاسمه


والعقلية اللبنانية شكّلت عائقاً بلا شك أمام نجاح المدرّبين الأوروبيين في العهد، حيث لم تتّفق مع عقليتهم الخاصة. لكن مشكلة أخرى ربما يمكن القول إنها مشتركة أيضاً في هذا الإطار، وهي ترتبط بالثقة الزائدة بالنفس التي تطبع شخصية المدرب الأوروبي، فجعلته يقع في أخطاء مؤثرة في محطاتٍ مفصلية، ما أسقطه بالضربة القاضية.
اليوم يأتي دور خيمينيز الذي ساعدته الظروف بلا شك للوقوف على رأس الجهاز الفني لبطل آسيا، ففي ظلّ الأوضاع المالية الصعبة لم يكن بإمكان العهد تعويض رحيل مرمر باستقدام مدربٍ أجنبي على مستوى عالٍ. أضف أن خيمينيز عايش ظروف الفريق محليّاً وآسيوياً وبات يعرف قدرات وطبيعة كل لاعب وكل الجوانب المرتبطة بهيكيلة النادي.
هو يتمتع بشخصية ودودة وبمعرفة تقنية واسعة، وحظي اليوم بفرصة العمر لتغيير فكر إدارة العهد في ما خصّ المدرب الأوروبي. أما فرص نجاحه فهي مرتفعة لأسبابٍ عدة، أولها أنه يحظى بدعم الإدارة العهداوية، ما يقلّص الصعوبات في مهمّته، إضافةً إلى أنه قد يتفادى ما فات جاسبرت وفانلي، ففي نهاية المطاف هو متخصّص بقراءة وتحليل المباريات، وهي المهمّة التي استقدم على أساسها إلى العهد.