يمكن منح عنوان «قصة إبريق الزيت» للعدد الاكبر من أندية الدرجة الاولى في لبنان عشية انطلاق كل موسم. ففي هذه الفترة تعلو صرخات الاداريين الذين يبحثون عن تأمين الميزانية المطلوبة، وما يلبث هذا الصراخ أن يصبح أعلى مع تصاعد أصوات اللاعبين، بعد أشهرٍ قليلة على انطلاق البطولة، مطالبين بمستحقات قد لا تُدفع لهم ابداً.

هذا الملخّص البسيط، والذي يُختصر بعبارات قليلة، يعكس حالة شبه عامة في اللعبة الشعبية الاولى في لبنان، والتي لم تكن تنتظر «ثورة» لتكشف أنها تعاني من مشاكل مالية مزمنة جعلت العديد من الاندية يرزح تحت ضغط الديون أو يحرم لاعبيه المحليين والاجانب من أبسط حقوقهم.
هو الامر نفسه الذي يمكن الحديث عنه اذا ما عدنا الى الصيف الماضي؛ فغالبية الاندية التي تخلّفت عن إرسال طلبات المشاركة الى الاتحاد عانت مادياً بشكلٍ كبير، وبدأت المشوار وهي تطلق الوعود للاعبيها بغدٍ أفضل أو بحلولٍ لم تكن واضحة الى حدٍّ كبير. هي الاندية نفسها التي طرح كثيرون سؤالاً مشتركاً عليها: لماذا تشارك إذا كنت لا تملك المال؟ ولماذا يجهد بعضها للصعود الى الدرجة الاولى ولا يملك الميزانية المطلوبة للعب في دوري الاضواء؟
طبعاً اسئلة لا يجيب عنها الاداريون، فهم في مكانٍ ما يركزون بشكلٍ كبير على إقناع اللاعبين بالتحلي بالصبر، بينما لا يجد هؤلاء سوى الانتظار لكي لا يجدوا انفسهم جالسين في المنزل، وخصوصاً ان قسماً كبيراً منهم يعرف انه لن يحلم بالحصول على استغنائه في حال اراد تحدي الرئيس او امين السر او اي اداري.
المهم أن الاتحاد واللعبة والاندية التي طلبت المشاركة وقعت في "خدعة" قسمٍ من نظيراتها التي أدارت ظهرها للعبة فجأة. وهذه الاندية تحديداً هي تلك التي قاتلت من اجل اقرار عدم الهبوط، ولبى الاتحاد طلبها لكي لا يظلمها بحُكم معرفته بامكاناتها المالية الضعيفة. لكن المفاجأة كانت بأنها تخلّفت عن ملاقاة الاتحاد ولاعبيها الذين أبدى بعضهم الاستعداد للعب من دون اي مقابل!
اذاً النيّة كانت واضحة منذ البداية هنا، إذ حتى تغطية الاتحاد لأجور الملاعب والحكام لم تكن كافية لعدم اتخاذ البعض اتجاهاً معاكساً وتهديد الموسم برمّته، وهو المهدّد اصلاً حتى لو وافقت الاندية الـ 12 على المشاركة، اذ رغم الشوق الى عودة النشاط، لا يفترض الانفصال عن الواقع والقول إن الحالة في الشارع تسمح بلعب الكرة في الملاعب.

لا يفترض الانفصال عن الواقع والقول إن الحالة في الشارع تسمح بلعب الكرة


وهنا يمكن سؤال نادٍ مثل شباب الغازية عن كيفية تمكّنه من المشاركة في «كأس حارة حريك» الوديّة، لكنه لا يجد السبيل الى خوض بطولة الدوري؟
وكذلك يُطرح السؤال على التضامن صور الذي يملك فرصةً لتقديم مجموعة من الشبان المميزين بغياب الاجانب أو حتى اذا رفض المخضرمون خوض المباريات، اذ من «سفير الجنوب» تمّ اختيار خمسة لاعبين لمنتخب الشباب اخيراً.
أضف انه يمكن سؤال الصفاء وشباب البرج اذا كانت احوالهم افضل من طرابلس قبل توقف البطولة ليمتنعوا عن إيجاد حلولٍ للمشاركة، في وقتٍ بدا فيه الفريق الشمالي مستعداً للعب بحُكم الارتباط العاطفي للاعبيه بالنادي. وعن هذا الارتباط يمكن التوقف عند السلام زغرتا الذي لطالما تغنّى بأن تشكيلته تضم مجموعة كبيرة من ابناء النادي المستعدين للتضحية من اجله، وبأنه يملك اكاديمية زاخرة بالمواهب وفريقاً رديفاً جاهزاً لتغذية الفريق الاول عند الحاجة.
جولة على قسمٍ كبير من لاعبي الفرق المذكورة تفيد بأن قلقهم ليس فقط على الشقّ المادي، بل ايضاً على حالة الجمود التي ستؤثر على مستواهم الفني بفعل عدم خوضهم للمباريات، وهم بالتالي يتفقون على انهم طُعنوا مرتين: الاولى بعدم حصولهم على رواتبهم، والثانية بإبعادهم عن الملاعب ومعشوقتهم.
لكن ايضاً لا يمكن لوم الاندية بالمطلق، فالوضع الاقتصادي - المالي في البلاد لا يساعدها ابداً على المضي في اي خطوةٍ لاستعادة نشاطها، وهي ربما أصرّت على إلغاء الهبوط لتقول الكلمة التي لم تتجرأ على قولها علناً، وهي الغاء الموسم بالكامل، وذلك لكي لا تُتهم بالتعطيل او بنحر اللعبة.
الواقع انه قد لا يكون هناك اي مفر من التعطيل، لكن قد تكون مرحلة الجمود المرتقبة مفيدة للجميع: اتحاد، اندية ولاعبين، لاعادة التموضع والانطلاق وفق حسابات جديدة باتجاه أفقٍ افضل يُخرج كرة القدم اللبنانية من الحالة المهزوزة التي عاشتها منذ فترة طويلة قبل ان تهتز البلاد كلّها قبل اشهرٍ قليلة.