ذهب كأس التحدي إلى البرج، بينما حمل جاره شباب الساحل كأس النخبة. وفي المشهدين دلالات عدة على ما سيحمله الموسم الجديد من نديّة على صعيد التنافس المناطقي، وانطلاقاً إلى الصراع على المراكز المتقدّمة على لائحة الترتيب العام في الدوري اللبناني لكرة القدم. مباراتان لا شك في أنهما كانتا مفيدتين بالنسبة إلى أطرافهما، إذ في نهاية المطاف تبدو الغاية من المسابقتين التنشيطيتين تسجيل الملاحظات الفنية، التي كانت كثيرة حتى بالنسبة إلى الفريقين المتوّجين.

البرج بأمان والسلام بخطر
نهائي التحدي لم يحمل مستوىً فنياً عالياً، وهو أمر كان متوقّعاً لأسبابٍ مختلفة، على رأسها طبعاً من الناحية البرجية، الانسجام الذي لم يكتمل في الفريق الأصفر، وذلك لسببٍ طبيعي، ألا وهو استقدامه لـ 17 لاعباً خلال سوق الانتقالات الصيفي، ما يعني أن الفريق بحاجةٍ إلى وقت للوصول إلى قمّة التأقلم الفني على أرض الملعب. أما من ناحية السلام زغرتا، فالسبب مغاير تماماً، وهو عدم إجراء النادي الشمالي أي صفقة، إذ لم يتعاقد مع أي لاعبٍ محلي حتى هذه اللحظة، إضافةً إلى تجميع فريقه منذ فترةٍ قصيرة، ما يعكس الأداء الباهت وعدم الجاهزية التي ظهرت عليه.
البرج طبعاً خرج فائزاً بالكثير من هذا اللقاء، فهو عاد ليقدّم نفسه فريقاً يستحق أن يكون في الدرجة الأولى، متمتعاً بشخصية عنيدة وصلبة في آنٍ واحد. لكن أيضاً ظهر الفريق بصورة فنية مقبولة، لناحية أن لاعبيه يعرفون أدوارهم بدقّة، في وقتٍ كانت فيه المرونة على صعيد توزيع المراكز وواجبات اللاعبين أمراً مهماً جداً، وخصوصاً عندما يرتبط الأمر بخط الوسط الغني بالأسماء الخبيرة والمتعطشة لإثبات نفسها. والدليل على هذا الكلام، ما قدّمه الثنائي حسين إبراهيم ومحمد قاسم. فالأول غاب عن مشهد الأضواء منذ إصاباته القاسية أيام دفاعه عن ألوان الأنصار، والثاني بقي في الظل مع الأخضر حيث لم يأخذ فرصته.
وفي ظل هذا الجو الإيجابي بقي مما ينقص البرج، اللمسة الأخيرة، بحيث إنه أهدر فرصاً سهلة على مدار الشوطين، لكن هذه المسألة لا يمكن اعتبارها مشكلة عميقة بوجود الغاني ستيفان سارفو الذي يعرف جيّداً الطريق إلى الشباك.

بعض لاعبي الأنصار كأنهم غير معنيين بالحالة الدفاعية


في المقابل، لم تكن مكاسب السلام كثيرة في المسابقة، وربما أبرزها اكتشافه للاعب الناشئ مايكل فنيانوس (17 عاماً)، أو منح الفرصة للاعبين شبان آخرين مثل عماد كريمة لاكتساب الخبرة. لكن هذه النقاط لا يمكن أن تبعد الفريق الزغرتاوي عن دائرة الخطر في الموسم المقبل إذا لم يتحرّك سريعاً لتعزيز صفوفه، حيث يبدو بحاجةٍ كبيرة إلى أسماء إضافية. هذا ما بدا عليه الأمر منذ الموسم الماضي، وأعقبته حركة دؤوبة من كل الفرق، ما عدا السلام، الذي مرّ بفترةٍ غير طبيعية والتحق عددٌ من نجومه مثل إدمون شحادة وجان جاك يمين بالتمارين متأخرين، فكان بلوغه النهائي مفاجأة، وخصوصاً بعدما اضطر مدربه الأردني نهاد صوقار، إلى إشراك حارس مرمى في مركزٍ دفاعي خلال المباراة أمام البرج في الدور الأول، لافتقاده العدد الكافي من اللاعبين!
صوقار كان قد أبدى رضاه عن الأجانب الثلاثة في فريقه، فتوقّع أن يقدّم المهاجم النيجيري أني إليجاه الكثير في الدوري، ولو أنه لم يكشف عن شيء خلال كأس التحدي. وبالتأكيد، هو يعوّل على خبرة المغربي ربيع الهوبري ومعرفته بالكرة اللبنانية بعدما دافع عن ألوان الإخاء الأهلي عاليه، لكن الأخير عرف مشاكل كثيرة في النهائي حيث طرد بعد تلقيه إنذارين. ويبقى نجل المدرب، شامل صوقار الأفضل، لكن أيضاً لا تساعده المنظومة لمعرفة إذا ما كان سيشغل مركزاً في الوسط بمهمات دفاعية، أو عليه أن يأخذ المبادرات الهجومية بطريقة مدروسة لا عفوية.

مشاكل أنصارية وثورة ساحلية
وإلى نهائي النخبة حيث يتوسّع الكلام، وخصوصاً عند التطرّق إلى شكل فريق الأنصار والمشاكل التي كلّفته اللقب. الواضح أن الفريق الأخضر يملك ترسانة كبيرة من النجوم، وفي هذه المسألة نعمة ونقمة في آنٍ واحد، وخصوصاً عندما يكون أبرز النجوم حاضرين في خط المقدّمة، لا في الخطوط الأخرى.
المشكلة الأولى والأساسية التي عانى منها «الزعيم» في اللقاء أمام الساحل لم يكن ما قيل عن الضعف في الدفاع، بل في المقاربة الدفاعية والمنظومة الخاصة بالدفاع عامةً. وهنا الحديث عن الواجبات الدفاعية المنوطة بجميع اللاعبين، إذ بدا في بعض فترات المباراة أن نصف لاعبي الأنصار ليسوا معنيين بالحالة الدفاعية، وهو أمر سمح للساحل بالتقدّم مع انطلاق الشوط الثاني. أضف أن أسلوباً دفاعياً واضحاً لم يكن بادياً على الفريق، إذ ضغط لاعبون في الوسط، وانتظر آخرون مجيء الخصم إليهم للدخول في مواجهة ثنائية معه، في محاولةٍ لاستخلاص الكرة.
أما المشكلة الدفاعية الثانية، فهي في عدم الانسجام والتفاهم بين لاعبي خط الظهر، وهو ما بدا في حالة الهدف الأول الذي سجله عباس عطوي للساحل. وهذه المسألة طبيعية، إذ من بين اللاعبين الأربعة في الخط الخلفي كان حسن بيطار الأساسي الوحيد في الموسم الماضي، بينما لعب حسين عواضة في مركز الظهير الأيمن، وهو أصلاً لاعب جناح، وشغل كالفن ضو مركز الظهير الأيسر من دون أن يملأ الفراغ الذي تركه حسن شعيتو «شبريكو» الموقوف، وذلك في وقتٍ لا يمكن فيه لوم البرازيلي موزس لوكاس؛ لوصوله حديثاً إلى الفريق.
ويضاف إلى المشكلة الدفاعية تلك، المشكلة التي عطّلت الهجوم إلى حدٍّ كبير، وحدّت من خطورته، ولو أنه سجّل ثلاثة أهداف خلال اللقاء. وهذه المشكلة تختصر بغياب اللاعب القادر على الربط بين الخطوط عندما يكون نجم خط الوسط عدنان حيدر خارج التشكيلة، ولهذا السبب سارع المدرب السوري نزار محروس إلى إشراكه في الشوط الثاني، بحيث إنه سحب جهاد أيوب من الملعب، لكون الأخير بدا مع فريقه السابق البقاع أقرب إلى صانع ألعاب منه إلى لاعب وسط - مدافع يمكنه التسلُّم من خط الظهر وتسليم أولئك القادرين على بناء الهجمات.
وعلى المقلب الآخر، يمكن القول إن الساحل الذي بدأ ثورة مع انتهاء الموسم الماضي بإدخاله تعزيزات إلى تشكيلته، استكملها في أمسية الأحد على أرض الملعب ليخطف لقباً غالياً على صعيد القيمة المعنوية. فهذا اللقب قدّم شباب الساحل فريقاً محترماً، لا شك في أن الكل سيحسب له ألف حساب الموسم المقبل، وهو حتى لو لم يفز بالمباراة، فقد خرج بسلّة من الإيجابيات التي يمكنه البناء عليها للمنافسة على المراكز المتقدّمة وليفرض نفسه «الحصان الأسود» في البطولة.
ولا يخفى أن المشكلة الأساسية التي عانى منها الساحل، والتي يجب معالجتها لكي لا يسقط بفخها مجدداً، هي مشكلة ذهنية، وقد بدت عليه واضحة بعد تلقيه الهدف الثاني، ما كلّفه هدفاً ثالثاً. وهذه المشكلة بالتأكيد توازي أهمية هبوط مستوى اللياقة البدنية عند بعض لاعبيه، ما حدّ من خطورته أيضاً، ليترك إدارة المباراة للأنصار الذي استحوذ عليها كثيراً في الدقائق الأخيرة، لكن من دون أن ينجح في حسم النتيجة لمصلحته.
إذاً، نهائي التحدي ونهائي النخبة تركا أيضاً انطباعات عامة لدى المتابعين بأن الموسم المقبل سيكون مشتعلاً في مقدّمة الترتيب ووسطه وأسفله، وخصوصاً أن فرقاً أخرى بدت واعدة، ولو أنها لم تذهب بعيداً في مشوار المسابقتين، ما يبشّر بموسمٍ أقوى من ذاك الذي عرفته الكرة اللبنانية في الموسم الماضي، وهو أمر مطلوب بقوة بعد اقتصار المنافسة على اللقب على فريقين أو ثلاثة في حدٍّ أقصى في المواسم القريبة الماضية، حيث بدت الفوارق الفنية كبيرة بين «الثلاثة الكبار» والفرق الأخرى.