لم يكن الموسم المنتهي في الدوري اللبناني كغيره من المواسم في الأعوام القريبة الماضية، ولو أنه تشابه معها في جوانب عدة. نقاطٌ عدة يمكن التوقف عندها في استعراض الصورة التي ظهرت عليها الفرق الـ12، ومسائل أساسية يفترض الإضاءة عليها، منها بسبب تكرار المشاكل التي تفرزها، وأخرى على خلفية مشهدٍ عام يترك قلقاً على وضع الدوري واللعبة عامةً.

لا شك في أن مشكلة الملاعب كانت العنوان الأبرز بين المشاكل المتنوّعة التي عرفها الموسم. والأسوأ أن هذه المشكلة ليست طارئة، بل متفاقمة، وقد عرقلت في مراحل كثيرة العملية التنظيمية برمّتها، بانتظار أن يكون هناك حلّ شامل لها، لكون الملاعب في صلب اللعبة الناجحة والأرضية التي يفترض أن تُسهم أوّلاً في تطوّرها.
فنياً، إن النقطة الأبرز التي لا يمكن إغفالها، مسألة وقوف 8 من أصل 12 فريقاً في دائرة الهروب من الهبوط إلى الدرجة الثانية، وهو أمر يعكس مدى تدني مستوى المنافسة، إذ حتى الفريق الذي احتل المركز الرابع كان بعيداً عن ثلاثي الصدارة، قبل أن يبتعد الوصيفان عن البطل قبل مراحل عدة على نهاية المشوار.
وإذا كانت الإمكانات هي السبب الرئيس وراء الهوّة الموجودة بين العدد القليل والآخر الكبير من الفرق، فإن حلّاً جذرياً وقراراً تاريخياً يفترض أن يكون على طاولة البحث عبر تعديل جريء لنظام البطولة، لرفع مستواها العام وخلق إثارة فيها، وهو أمر لا بدّ أن ينعكس إيجاباً على صورتها العامة لناحية جذب الأنظار إليها استثماراً وجمهوراً. حلٌّ يتفق غالبية المراقبون على أنه ينحصر في تقليص عدد الفرق في الدرجة الأولى قبل أي شيء آخر، وذلك لحصر اللاعبين الجيّدين في 8 أو 10 فرق، وذلك بعدما بدا جليّاً أن عدد اللاعبين الذين يستحقون اللعب في دوري الأضواء محدود إلى حدٍّ غير بسيط.

الثلاثة الكبار
منذ انطلاق الموسم وذاك الفوز العريض على الصفاء بسداسية، قدّم العهد نفسه بشخصية البطل. صحيح أنّ الفريق الأصفر مرّ بمحطات صعود وهبوط كثيرة، لكنه عرف كيفية تكريس سطوته على الكرة اللبنانية، حيث تأثر ــ بحسب ما ردّد غالباً إداريوه ومدربوه ولاعبوه ــ بمستوى الدوري. لكن رغم هذا التأثّر السلبي والإصابات الأسبوعية التي عصفت بالفريق، كان للخبرة المتراكمة عند لاعبي العهد، ومن خلفهم أنجح المدربين المحليين دور حاسم في جلب الكأس السابعة إلى خزائن النادي، وهي عملية لم تكن بسهولة المواسم السابقة، لكنها كانت منطقية بالنظر إلى الفارق الفني بين العهد ومنافسيه الأساسيين، وتحديداً في المواجهات المباشرة بينهم.
وفي ما خصّ المواجهات المباشرة والتعثّر غير المتوقّع، فإن هذا الفخ وقع فيه الأنصار الوصيف، ما كان له الأثر المباشر في عجزه عن مجاراة العهد والنجمة والمنافسة بجديّة على اللقب.

المطلوب تعديل جريء لنظام البطولة لرفع مستواها العام


ولا شك في أن «الزعيم» قدّم فريقاً يستحق الإشادة به، لكنه ظهر أيضاً بشخصيتين: واحدة في المباريات الروتينية، وأخرى عندما عاش في ظل الضغوط المطالبة بتحقيقه للمطلوب. وهذه النقطة هي المسألة الأساسية التي يفترض بالأنصار معالجتها قبل تفكيره في المراكز التي يريد تعزيزها في سوق الانتقالات المقبلة، إذ إن تهيئة فريق متماسك يتمتع بعقلية الفوز ستكون عاملاً حاسماً للوقوف في صف المنافسين على اللقب في الموسم المقبل.
وإذا كان الأنصار راضياً عن مركزه النهائي، فإن الخيبة الأكبر التي سجلها الموسم المنتهي كانت للنجمة. وهذه الخيبة لم تكن مفاجئة بالنسبة إلى من رأى الأمور أبعد من الملاعب، وبالنسبة إلى من حلّل بنحو صحيح التعاقدات مقارنة بحاجات الفريق. النجمة وقع في فخ العشوائية، سواءٌ أكان في مسألة ضمّ لاعبين معيّنين إلى صفوفه، أو لناحية الحسابات الخاصة بالجانب الفني طوال موسم معقّد خرج منه بمركزٍ أسوأ من ذاك الذي احتله في الموسم الذي سبق، ليتضح أن مشاكله تحتاج إلى أكثر من عملية قيصرية، فالفريق «النبيذي» لا يحتاج إلى لاعبٍ أو اثنين في الموسم المقبل لتحسين صورته، بل إلى ورشة تغييرات في مختلف المراكز لكي يرتقي مجدداً إلى مستوى المنافسة.
وعند الكلمة الأخيرة يمكن ذكر الإخاء الاهلي عاليه رابع الترتيب، الذي مع ابتعاده عن دائرة المنافسة تراجع كثيراً لفقدان لاعبيه الحافز، رغم أنهم قدّموا بعض المباريات الكبيرة خلال الموسم، وأظهروا إمكانات تخوّلهم جمع عددٍ أكبر من النقاط.

معركة الهبوط
وبقدر إثارة المنافسة التي ظهرت في بداية المشوار، أطل الصراع للهروب من الهبوط إلى الدرجة الثانية في المراحل الختامية، حيث ترك شيئاً يمكن الحديث عنه في الدوري. 8 فرق كانت مهددة فعلياً بتوديع دوري الأضواء، اثنان منها كانا قد عادا للتوّ إليه، لكن اللافت أنهما احتلا مركزين مؤهلين إلى كأس النخبة، وهي مسألة تحسب لهما بلا شك.
شباب الساحل كان أحدهما، وهو رغم مشاكله الدفاعية التي جعلته أحد أسوأ الفرق في الدوري على هذا الصعيد، قدّم أداءً هجومياً جريئاً في أغلب مبارياته، فكانت مكافأته المركز الخامس، ليعكس استقراراً إدارياً وفنياً ينتظر أن يفرز وضعاً أفضل في الموسم المقبل.
أما الشباب الغازية الذي احتلّ المركز السادس، فإن مكاسبه كثيرة، لكونه من الفرق صاحبة الميزانية الأدنى في الدوري، وقد دخل وهو أحد المرشحين للهبوط، لكنه فاجأ الجميع بسلسلة من النتائج الإيجابية أمّنت له مركزاً مستحقاً بعدما اجتهد للوصول إليه، فكان له ما اراد.
أما الفرق الأخرى، وهي التضامن صور، طرابلس، الصفاء، السلام زغرتا، الراسينغ والبقاع على التوالي، فقد كانت أوضاعها متشابهة، لضعف الإمكانات المادية، ولضعف القدرات الفنية، فكانت حظوظها بالبقاء متساوية، قبل أن يلقى فريقان منها المصير الأسوأ بعدما عاكستهما الظروف في المراحل الأخيرة فاستسلما لقدرهما.
إذاً، طوى الموسم صفحته تاركاً مهمات ومسؤوليات كثيرة لا بدّ من أخذها بالاعتبار ضمن السعي الدائم لكل الأطراف من أجل تطوير اللعبة والسير بها نحو مستوى أفضل ينعكس عليها إيجاباً على صعيد صورتها الفنية والنتائج خارجياً.