لم يمرّ عَدم تأهل منتخب لبنان لكرة السلة إلى نهائيات كأس العالم مرور الكرام. خسارة كبيرة تعرّضت لها كرة السلّة اللبنانية، ووضعت الجميع أمام مسؤولياتهم. اتحاد اللعبة تحدّث عن مشكلات كثيرة في اللعبة، وأخرى غير ظاهرة، أعلن أنه يريد أن يعرف عنها أكثر. من هنا، كانت تَسمية لجنة الخبراء والمدربين لوضع تقرير مفصّل حول مكامن الخلل ووضع خطة مستقبليّة، في محاولة لإعادة البناء على أسسٍ صحيحة.

كلام كثير قيل حول فشل لبنان في بلوغ مونديال السلة (الصين 2019). انتقادات كثيرة وجّهت إلى اتحاد اللعبة والجهاز الفني واللاعبين على حد سواء، المسؤولية تتوزع، ولكن يبقى هناك الكثير من الأمور غير الظاهرة للجمهور، يمكن أن تضيء على الأسباب الحقيقية للنكسة المؤلمة. الاتحاد اللبناني لكرة السلة كان في وضعٍ مغاير بعد خروجه من صدمة عدم التأهّل، فأراد أن يضع الإصبع على الجرح سريعاً ويبدأ مرحلة العلاج لكي لا يصبح المرض الذي أصاب اللعبة أقسى ويتسبب بالمزيد من الانهيارات، فكانت خطوة إنشاء لجنة الخبراء والمدربين التي تضم أسماء لها باع طويل في مجالات سلّوية مختلفة، وسيكون عليها مسؤولية كبيرة في محاولة الكشف عن مكامن الخلل ووضع الأطر الكفيلة بمعالجتها.
الاتحاد عقد الأسبوع الماضي مؤتمراً صحافياً بهذا الخصوص، معرّفاً عن الأشخاص الذين سيتولون المهمة، وهم: رئيس اللجنة جاسم قانصوه والمدرب الوطني جو مجاعص، والخبيران الإيطالي جورجيو غوندولفي والصربي نيناد ترونيتش ومواطناه المدربان ميودراغ بيريسيتش وميلان كوتاراتش.
النقطة الإيجابية في هذه اللجنة هي أنّ كل واحدٍ من هذه الأسماء له خبرته في مجال معيّن، إن كان قانصوه بصفته لاعباً ثم إدارياً، أو مجاعص العارف بأوضاع المنتخبات الوطنية وفئاتها العمرية، وغوندولفي المعروف في عالم التسويق منذ أكثر من 30 سنة، حيث عمل في الدوري الأميركي للمحترفين و«اليورو ليغ» والاتحاد الدولي لكرة السلة «الفيبا». كما يمكن التوقف عند خبرة ترونيتش في التخطيط، و«حنكة» بيريسيتش الفنية التي أكدها مجدداً في ملاعب السلة اللبنانيّة هذا الموسم مع فريق بيروت، وصولاً إلى كوتاراتش الذي لا يقلّ شأناً في هذا المجال.
مهمة واضحة تحملها هذه اللجنة بعد فترة الخيبات الكبيرة على صعيد تحقيق النتائج الإيجابيّة خارجياً إن كان على صعيد الأندية والمنتخبات، بعكس ما كان عليه الأمر في الماضي البعيد عندما فرض ممثلو كرة السلة اللبنانية سطوتهم أينما حلّوا. المهم أن الهدف الرئيس هو خلق رؤية مستقبلية شاملة لوضعها في تصرّف الاتحاد، وعبر وضع أسس مرحلة جديدة لمستقبلٍ أفضل.
وإذ يترقب الجميع تقرير اللجنة خلال مدّة زمنيّة لا تتعدى الشهرين، فإن عملية التطوير من خلال الاقتراحات المنتظرة يتوقّع أن تشمل مجالات عدة مرتبطة باللعبة.
وعند الحديث عن المستقبل، لم يكن مستغرباً تركيز الكلام حول طبيعة تنمية مواهب جديدة واكتشافها، وهو أمر يعمل عليه الاتحاد من خلال إطلاق بطولات الفئات العمرية التي غابت خلال السنوات الماضية، وأفقدت الصغار فرصة الاحتكاك في المباريات، والتي من شأنها أن ترفع من مستواهم وتساهم في عملية نضوجهم.

لجنة خبراء ستصدر تقريراً خلال شهرين بشأن تطوير اللعبة في لبنان


عملية البناء وكما في كل العالم تبدأ من الفئات العمريّة، لبناء جيلٍ يكون قادراً على إعادة كرة السلّة اللبنانية إلى الخريطة العالمية، إذ إن آخر مشاركة مونديالية للبنان كانت ببطاقة دعوة (وايلد كارد)، ما يعني أن التراجع بدأ منذ وقت ليس بالقصير، فالمرة الأخيرة التي تأهّل فيها المنتخب اللبناني إلى نهائيات كأس العالم في الملعب كانت في عام 2006.
ووفق صورة الهرميّة التي وزعتها اللجنة تحت عنوان، «فكّر بشكلٍ كبير وخطّط للتفاصيل»، فإن الأولويّة في عمليّة التطوير هي للمنتخب الأوّل، الذي يُعدّ واجهة اللعبة ويعكس فعلاً مدى تمتعها بالصحة أو مرضها. بطبيعة الحال فإن النموذج الناجح لأي عملية تطويرية يفترض أن يلحظ كل الجوانب ويشمل كل الأطراف، إذ إن للاتحاد الدور الأساسي في عملية مراقبة سير العمل وتصويب الأوضاع، وخصوصاً بما يرتبط بمنتخباته وحتى الأندية التي وضعتها اللجنة ضمن الصورة الهرمية بالنظر الى الدور الكبير لكلٍّ منها في الدفع نحو دوران العجلة بالشكل الصحيح.
وهذه الأندية كشفت عن هواجسها في اجتماعها مع اللجنة وطرحت مطالبها مقابل مطالب مهمة للخبراء الذين يجدون نواقص لديها، فإذا كانت الأندية تبحث دائماً عن موارد مالية لتعزيز أوضاعها الفنية، فإنها يمكنها أن تؤدي دوراً على هذا الصعيد يكون مفيداً للعبة عامةً.
ويقول أحد أعضاء اللجنة إنه فوجئ عندما علم بأن أندية تلعب في بطولة تملك شعبية لا تستطيع الاستفادة بالشكل المطلوب من الأضواء المسلّطة على كرة السلة «كونها بالدرجة الأولى لا تملك مديري تسويق أو أشخاصاً يمكنهم العمل على خلق منافسة بين الرعاة المهتمين بكرة السلة، حيث بالإمكان جذب أكبر عددٍ منهم الى الملاعب».
نقطة مهمة، إذ إن عنصر المال هو الأساس لبناء فرق قوية، والدليل أن فرقاً كثيرة انكفأت في المواسم الأخيرة بعدما كانت في صف المنافسين، وذلك بسبب تراجع مواردها المالية. ولتأمين هذه الموارد، لا بدّ من خلق شراكة حقيقية مع الرعاة لا معاملة المعلنين كزبائن، وذلك من خلال القيام بخطوات عملية تعيد إليهم أرباحاً جراء استثمارهم في اللعبة، على غرار دمج الجمهور في نشاطات ترويجية تخصّ الرعاة، وتحديداً قبل المباريات وخلالها.
وللجمهور دور مهم أيضاً في فهم «الأداة» التي يمكن للأندية استخدامها من أجل إرضاء الشريك الداعم والقادم أصلاً بمهمة تجارية، فكلما زادت أرباحه زاد استثماره وضخّه للمال في اللعبة التي بلا شك تراجعت قيمتها السوقيّة بفعل الخيبات المتكررة وتبدّل طبيعة تسويقها.
وفي إطار الجمهور أيضاً، فإن التواصل مطلوب على مستويات مختلفة لجذب مشجعين جدد الى ملاعب كرة السلة، إذ كلما ارتفعت نسبة المشجعين للأندية زادت قيمتها في سوق الإعلانات والرعاية. كما يمكن لهذه الأندية الاستفادة مباشرة من جماهيرها عبر بيع بطاقات موسمية مثلاً أو ربطها ضمن سلسلة «تجارية» مثلّثة تشمل النادي والراعي والمشجع. كل هذا يحتاج بالتأكيد الى مقاربة جديدة عبر عقلية متطورة أكثر، إن كان في الشأن الإداري أو التسويقي.



خطّة على أربع سنوات
خطة العمل التي وُضعَت، والتي وزعها الاتحاد اللبناني لكرة السلّة، معلناً أنه سيبدأ العمل عليها، من المقرر أن تستمر على مدى أربع سنوات. وعلى رأس القائمة يأتي المنتخب الأوّل لكرة السلّة اللبنانية. المستوى الثاني هو منتخب الناشئين (منتخب تحت 16 عاماً فاز ببطولة غرب آسيا التي أقيمت في مدينة غورغان الإيرانية صيف العام الماضي). أما في المستوى الثالث من الخطة الموضوعة، فيأتي اللاعبون (الشبّان والرجال)،
وفي المستوى الرابع يأتي المدرّبون والمعدّون (الشبّان والرجال). أمّا المستوى الخامس، فيضم الأندية (الرجال والسيدات). المستوى السادس من الخطة يأتي فيه الإداريّون ــ الاتحاد والأندية (التسويق، تفعيل الشراكة، التفاعل مع المشجّعين، التواصل، الوسائل الرقميّة، العلاقات الإعلاميّة، الإدارة والعلاقات العامة المحليّة والدوليّة)، وفي المستوى السابع هناك الميزانيّة والموارد الاقتصادية. الاتحاد اللبناني للعبة وضع هذه الخطة على شكل هرم، وحدد الأولويات من رأس الهرم، وهو المنتخب الأوّل، مروراً بجميع المراحل، وصولاً إلى الميزانيّة.