بعد خروج منتخب مصر على يد جنوب إفريقيا من دور الـ16 لبطولة إفريقيا، عزف الجمهور المصري عن الحضور إلى المدرجات، بعد أن فقد الحافز لذلك. تطورات البطولة أعادت تحريك الجماهير المصرية العاشقة لكرة القدم. منتخبان عربيان وصلا إلى نصف النهائي، هما تونس والجزائر، وهو ما دفع عدداً كبيراً من المشجعين المصريين إلى العودة للمدرجات، ودعم المنتخبات العربية. هذا الجمهور انقسم بداية، فمنهم من دعم تونس، فيما ذهب البعض لتشجيع الجزائر، والبعض أيضاً شجع السنغال (رغم أن أعداده لم تكن كبيرة). خرجت تونس، ووصلت الجزائر إلى المباراة النهائية، وهو ما وضع المصريين أمام خيارين: تشجيع السنغال على حساب الجار الجزائري، والشقيق العربي، أو تشجيع الجزائر.

أساس الخلاف الرياضي بين البلدين يعود إلى عام 2009، وتحديداً في شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، حينها تعرضت حافلة المنتخب الجزائري لاعتداء من قبل مشجعين مصريين في القاهرة، بعد أن وصل لخوض مباراة ضمن التصفيات المؤهلة إلى مونديال جنوب إفريقيا (2010). وتكررت أحداث الشغب على هامش مباراة فاصلة بين المنتخبين أُقيمت في السودان، وانتهت بتأهل الجزائر للمونديال على حساب مصر. وبين هاتين المباراتين حصلت العديد من التطورات، والاتهامات المتبادلة بين البلدين حول من بدأ بالاعتداء على الآخر، وحصل أيضاً توتر إعلامي، ووصلت الأمور إلى استدعاء دبلوماسيين وتوتر في العلاقات استمر لنحو ثلاثة أشهر بين البلدين.
في تلك الفترة أكدت بعض المصادر المتابعة لهذه الحوادث، أن الخلاف أساسه سياسي بين الدولتين وليس رياضياً، لكن جرى توتير الأجواء حينها من قبل البعض، واستغلال مباريات تصفيات كأس العالم الحساسة، من أجل غايات سياسية وصراع نفوذ، بحسب وصف البعض.
هذه الأحداث يبدو أنها لا تزال ترخي ببعض ظلالها البسيطة على البطولة الإفريقية، ولكن ما هو واضح بحسب التطورات، أن عدداً بسيطاً جداً من الجمهور المصري سيدعم السنغال، فيما النسبة الأكبر من هؤلاء المشجعين سيدعمون الجزائر للفوز بالبطولة القارية، ورفع اللقب، رغم أن الغصة بحرمان مصر الوصول إلى كأس العالم عام 2010 لا تزال حاضرة عند البعض.

أساس الخلاف يعود الى العام 2009 خلال تصفيات كأس العالم


الأمر المهم والأساسي الذي سيجعل غالبية الجمهور المصري تقف خلف المنتخب الجزائري، أن «محاربي الصحراء» استحقوا الوصول إلى المباراة النهائية، وهم المنتخب الذي قدّم أفضل كرة قدم خلال البطولة، وأكثرها متعة. الجماهير المصرية أيضاً غاضبة من لاعبي منتخبها الوطني، الذين لم يقدموا الأداء المطلوب للذهاب بعيداً في البطولة. الجماهير المصرية تعتبر أن اللاعبين لم يلعبوا من أجل قميص المنتخب، حتى إن محمد صلاح لم يقدّم الأداء الذي عرف به مع ليفربول الإنكليزي، وكذلك معظم زملائه الآخرين.
ما جعل جميع الجماهير العربية تتعاطف مع منتخب الجزائر، الروح القتالية العالية التي يقدمها اللاعبون، كما الإصرار على الفوز لإسعاد الجماهير.
لاعبو المنتخب الجزائري كل تركيزهم داخل الملعب، فيما كان تركيز المصريين خارجه، فأرخت حادثة اللاعب عمرو وردة بظلالها على المنتخب المصري، وكذلك أبدى الجمهور استياءه من دفاع زملائه في المنتخب عنه، رغم قضية التحرش، وسلوكه غير الاحترافي، وفي مقدمة هؤلاء محمد صلاح.
الجمهور المصري الذي سيقف خلف الجزائر اليوم، كان يمنّي النفس بأن تلعب مصر بالطريقة ذاتها التي يلعب بها رياض محرز وزملاؤه.
الجمهور في النهاية هو الجمهور، له عقليته الخاصة، ويقف خلف من يقدم كرة قدم جميلة، ومن يلعب من أجل القميص الذي يرتديه، لأن الفوز هو الهدف، ومتعة الأداء هي ما يطلبه. ليس هناك مشجع يدفع ثمن بطاقة مباراة، الا ليشاهد كرة قدم جميلة ويشبع رغبته.
الجمهور المصري العاشق لكرة القدم، الذي يتابع مباريات الأهلي والزمالك، ويتابع مباريات دوري أبطال أوروبا وإفريقيا ومختلف أندية العالم المميّزة، لا شك في أنه سيقف خلف الجزائر، التي تقدم كرة قدم جميلة. رياض محرز، وبغداد بونجاح وإسماعيل بن ناصر ويوسف بلايلي، وجميع لاعبي الجزائر يقدمون كرة قدم يستحقون عليها التشجيع والإشادة، لأنهم يحققون للجمهور جزءاً مهماً من رسالة كرة القدم وهدفها، وهي المتعة والإثارة والجمالية.
الجمهور المصري ومعه الجمهور العربي وكل من يحب كرة القدم، سيقف خلف الجزائر في العرس الإفريقي الأكبر.



فلسطين في القلب


علاقة قوية تجمع الجماهير الفلسطينية بأندية كرة القدم المصرية، خاصة الأهلي والزمالك، وربما لهذا الأمر علاقة بالقرب الجغرافي، وحتى احتراف بعض اللاعبين الفلسطينيين في مصر، حتى إنه في قطاع غزة هناك روابط مشجعين للأهلي والزمالك، وهم على تنسيق دائم مع الجمهور في مصر. هذا في مكان، ولكن الأبرز هو علاقة الجمهور الفلسطيني بالمنتخب الجزائري، التي هي علاقة وجدانية مميّزة.
بين الجمهورين الجزائري والفلسطيني الرياضي علاقة حب وتعاطف ومقاومة. علاقةٌ تُترجمها فرحة مشجعي الجزائر، حين سجّل المنتخب الفلسطيني هدفاً في مرمى نظيره الجزائري، ضمن مباراةٍ جمعت الطرفين على ملعب «5 جويلية» قبل ثلاث سنوات. علاقةٌ تاريخيةٌ بين شعبين، عنوانها الشهداء، بين بلد المليون شهيد، ومئات الآلاف الذي استشهدوا للدفاع عن أرضهم المحتلّة. يُقال، «لو كانت فلسطين جارة الجزائر لتحررت منذ زمن»، وهذا الأمر لإعطاء دلالة على مدى تعلق الشعب الجزائري بالقضية الفلسطينية، والتي تظهر دائماً خلال مباريات كرة القدم، حيث يرفع الجمهور الجزائري أعلام فلسطين في كل محفل كروي.
اليوم يُقلّص الشعبان المسافة بينهما، ويلتقيان على الأراضي المصرية، حيث يلعب المنتخب الجزائري المباراة النهائية ضمن بطولة كأس الأمم الأفريقية. جمهور الجزائر لم ينسَ فلسطين حتّى خلال الأوقات الخاصة. هتفوا لها على المدرجات، «فلسطين الشهداء». الجمهور الفلسطيني ردّ التحية بمثلها. ارتباط الشعب الجزائري بالقضية الفلسطينية يتجاوز التعاطف السياسي معها. الاحتلال الذي عانت منه الجزائر، يقيسه شعبها على الفلسطينيين، إذ إن مرحلة النضال متشابهة بينهما والتظاهرات الجزائرية الشعبية لا تكاد تخلو من رفع الأعلام الفلسطينية، والعكس يحصل خلال مواجهات الفلسطينيين مع الاحتلال في غزة والضفة الغربية. أساساً، كانت الجزائر أول من احتضن الثورة الفلسطينية في مراحل تأسيسها. هذه العلاقة ليست حديثة العهد، لكن الجمهور الرياضي عزز حضورها الإعلامي. الصورة التي لا تذهب من الذاكرة، هي صورة المنتخب الجزائري الأولمبي الذي ارتدى لاعبوه الـ«شال» الفلسطيني العام الماضي، كتحية للفلسطينيين وحب لهم.
اليوم تلعب الجزائر وسط حضورٍ كبيرٍ لجمهورها، وفلسطين ستكون حاضرة على المدرجات في مصر. الجمهور الجزائري يحمل الأعلام الفلسطينية، والجمهور الفلسطيني سيهتف للجزائر حباً وفرحاً، وسيحتفل مع الجزائريين باللقب الأغلى في حال تحقق.