خلال السنوات الماضية شهدت كرة القدم العالمية طفرة كبيرة، من حيث الإعلانات والترويج، وصولاً إلى رواتب اللاعبين والأرباح الماليّة الضخمة. لجأت العديد من الجهات إلى الاستثمار في كرة القدم، بينها دول وسياسيون. مع الوقت وجدت هذه الأطراف أن عالم المستديرة يشكل مكاناً مناسباً لتلميع الصورة، وها هو اليوم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان يدخل على الخط.

تردّدت في الآونة الأخيرة أنباءٌ عديدة عن نية ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، شراء نادي مانشستر يونايتد، أحد أكبر الأندية الإنكليزيّة وأغناها في العالم. هو يحاول اليوم إقناع مالكي النادي الإنكليزي ببيع أسهمه، قبل انتهاء الموسم الحالي (2018 ـ 2019). شراء النادي سيكون تنفيذاً ظاهرياً لرؤية 2030 في سبيل تطوير القطاع الرياضي بحسب البعض، فضلاً عن تحقيق التنمية، وتعدّ هذه الخطوة استكمالاً للانفتاح السعودي على الرياضة أخيراً، التي بدأتْها بتوقيع الرياض عقداً لمدة عشر سنوات لاستضافة الفورمولا E، إلى جانب احتكار إقامة منافسة مصارعة «WWE» على أراضيها لـ10 سنواتٍ أيضاً. هذا كله للنهوض بالواقع الرياضي للمملكة، ولكن وراء الأكمة ما وراءها.

محاولات شراء النادي مستمرة (أرشيف)

جاء الاستثمار في قطاع كرة القدم بعد إدراك المملكة أن نشاطها الرياضي لا يزال شحيحاً مقارنةً بباقي الدول العربية. الإمارات مثلاً تملك نادي «مانشستر سيتي» الإنكليزي، فيما تملك قطر فريق «باريس سان جيرمان» الفرنسي، أما السعودية، فتقتصر إنجازاتها في هذا القطاع على امتلاك تركي آل الشيخ، مستشار ولي العهد السعوديّ، نادي بيراميدز المصري (باعه مؤخراً لرجل أعمال إماراتي). في هذا السياق، سيمتدّ الصراع الخليجي من السياسة إلى ميادين الكرة الأوروبية، نظراً إلى كون مانشستر يونايتد هدفاً رئيسياً للعائلة المالكة في قطر منذ قرابة عام، عندما أبدت عزمها على توسيع استثماراتها في عالم كرة القدم الأوروبية من بوابة إنكلترا. فبعد كثرة الأقاويل عن عزم عائلة «غلايزر» بيع 2% من أسهم نادي مانشستر يونايتد في بورصة نيويورك الأميركية، قدمت العائلة المالكة في قطر حينها عرضاً مالياً مغرياً بلغت قيمته 1.5 مليار جنيه إسترليني، قبل أن تزيده إلى 1.8 مليار جنيه إسترليني، ولكن العرضَين قوبلا بالرفض من العائلة الأميركية. تمتلك عائلة غلايزر الأميركية مانشستر يونايتد منذ 2005، إذ اشترته مقابل 790 مليون إسترليني، وفي عام 2012 باعت 10% من أسهم النادي. مع التراجع الكبير للنادي الذي ترافق مع رحيل السير ألكس فيرغسون، كثرت مطالب الجماهير بتنحي الملاك عن الإدارة لصالح مالك جديد أكثر صرفاً للأموال، غير أن ذلك لم يحدث، نظراً لتمحور هدف العائلة الأكبر حول تحقيق مكاسب مالية جراء الشعبية الجارفة للنادي، تحصّن العائلة بها استثماراتها، أكثر من الاهتمام بتطوير الفريق.
رغم كثرة الأحاديث في هذا السياق، نفى وزير الإعلام السعودي، تركي الشبانة، هذا الكلام، متحدثاً عن عدم اهتمام الأمير بذلك. نفيٌ على الطاولة قد لا يعكس حقيقة ما يجري من تحتها، إذ أن عوامل عدة تجعل بن سلمان مرشحاً جدياً لشراء النادي.
تمتلك المملكة العربية السعودي علاقة مميزة مع النادي الإنكليزي، تمثلت بتوقيع هيئتها العامة للرياضة العام الماضي مذكرة تفاهم مع نادي «الشياطين الحمر» لتطوير كرة القدم في المملكة ورعاية المواهب الشابة، كما أنّ شركة الاتصالات السعودية ترعى النادي الإنكليزي أيضاً. تمتلك عائلة بن سلمان ثروة تناهز تريليون جنيه إسترليني توضع تحت إمرة ولي العهد الذي يسيطر على الحكم. يفسر ذلك قدرته على إنفاق مبلغ ضخم من أجل شراء أغنى نادٍ في العالم. المال ليس العائق في وجه ولي العهد الذي يملك قصر لويس الرابع عشر كأغلى منزل في العالم، المشكلة الرئيسية تكمن في عدم رغبة الملاك ببيع النادي.
رفع بن سلمان عرضه لشراء مانشستر يونايتد إلى 3.8 مليار جنيه إسترليني أي حوالى 4.9 مليار دولار


في الفترة الماضية، جرت مفاوضات بين الرئيس السابق للهيئة العامة للرياضة والحالي لهيئة الترفيه تركي آل الشيخ، مع مالكي نادي مانشستر يونايتد من أجل الاستحواذ على ملكية العملاق الإنكليزي، غير أن العرض المبدئي قوبل بالرفض من آل غلايزر، العائلة المالكة للنادي. بعد ذلك، قام ولي العهد السعودي برفع عرضه لشراء مانشستر يونايتد إلى 3.8 مليار جنيه إسترليني أي حوالى 4.9 مليار دولار. سبق لبن سلمان أن حدد موعداً مع أفرام غلايزر في العاصمة السعودية الرياض، على هامش مشاركة الأخير في مؤتمر «دافوس الصحراء»، وذلك لمناقشة الأمور المادية في عملية نقل ملكية مانشستر يونايتد من الأسرة الأميركية إلى العائلة السعودية الحاكمة، غير أن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، تلقى صفعة بانسحاب عائلة آل غلايزر من المؤتمر، تضامناً مع الشركات والمؤسسات الكبرى التي أعلنت مقاطعتها للمؤتمر الاقتصادي، احتجاجاً على الجريمة التي ارتُكبت بحق الصحافي السعودي جمال خاشقجي في سفارة المملكة في اسطنبول. وذكرت العديد من الصحف البريطانية، منها صحيفة «الميرور» أن نائب رئيس النادي أفرام غلايزر لن يكتفي بمقاطعة المؤتمر، بل سيغلق كل الأبواب مع الجانب السعودي، بشأن بيع أسهم النادي لمحمد بن سلمان، وذلك لحين ظهور براءته من التهمة التي هزّت الرأي العام العالمي. وفي ظلّ ضعف موقف السعودية في هذه القضية، سيتبخر حلم بن سلمان في حصوله على «مسرح الأحلام»، ما يعني توجهه لشراء نادٍ آخر يشغل به الرأي العام عن ما حصل داخل القنصلية.
يمتلئ سجل ابن سلمان الحقوقي بالانتهاكات على خلفية حادثة اغتيال الصحافي جمال خاشقجي، بالإضافة إلى حملة الاعتقالات التي طاولت العديد من المعارضين والناشطين الحقوقيين، دون إغفال القيود التي فرضها على الصحافة، ما جعل ابن سلمان عرضة لسيل من الانتقادات. السجل لا يخلو من تورطه في مقتل الآلاف من المدنيين خلال الحرب الأهلية اليمنية. وهذا الكلام كله تحدثت عنه الجمعيات الحقوقية حول العالم.
الكيد السياسي الذي حرم قطر من جماهيرها في كأس آسيا الأخير، استمر بعدها لمحاولة سحب أحقية استضافة قطر للمونديال. بشرائه نادي مانشستر يونايتد، قد يبعث ولي العهد رسائل مبطنة إلى الفيفا تفيد بإمكانية السعودية استضافة المونديال مستقبلاً. بعد إقصاء قطر للإمارات من كأس آسيا، والتتويج باللقب في نهاية المطاف على حساب اليابان، قامت السعودية والإمارات بممارسة ضغوط على مسؤولي الاتحاد الدولي لكرة القدم، ووزعتا أموالاً طائلة ضمن الهيئات التابعة للاتحاد. ونقل عن مسؤول في «فيفا» أن هناك حالة قلق من التصرفات السعودية والإماراتية التي قد تنتج منها فضيحة كبيرة في الاتحاد، في ظلّ اتهام بعض مسؤوليه السابقين بقضايا فساد وتقاضي أموال غير مشروعة.
إذاً يبدو ولي العهد السعودي مصمماً على شراء النادي الإنكليزي صاحب التاريخ الكبير. خطوة ربما ستساعده في تلميع صورته في الغرب نظراً للشعبية الجارفة لنادي شمال إنكلترا، فيكون بذلك قد سار على خطى الإماراتيين والقطريين. خطوة ستكون سلاحاً ذا حديّن، فالمستثمرون الخليجيون في عالم كرة القدم الأوروبيّة لا يلاقون هذا الترحيب الكبير، كما تتهم أنديتهم دائماً بخرق قوانين اللعب المالي النظيف. الأمور لا تزال مفتوحة على جميع الاحتملات، وربما شراء ناد للكرة لن يخفي خلفه عدداً كبيراً من القضايا التي يُتّهم بها ابن سلمان، بحسب المنظمات الحقوقية.