بعد أن تسلّم أمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني راية استضافة مونديال 2022 من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي استضافت بلاده النسخة الأخيرة، ضجّت مواقع التواصل الاجتماعي العربية بالكثير من الأخذ والرد، حول هذا الحدث. انقسمت الآراء بين مرحّب ومعارض، والأكيد أن الأزمة الخليجية ومقاطعة السعودية والإمارات ومصر لقطر ألقت بظلالها على هذا الملف، ولا تزال.

داخل «الكرملين» وبحضور الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، إضافة إلى رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» جياني أنفانتينو، تسلّم أمير قطر راية المونديال، ليكون الاتحاد الدولي للعبة ممثلاً بإنفانتينو قد صادق على أحقيّة الدوحة في استضافة أكبر وأعرق بطولة لكرة القدم في التاريخ (دون إغفال كلّ ما قيل حول كيفية نجاح ملف قطر في الفوز بمونديال 2022، وبعد ذلك عن وفاة عمّال في ظروف صعبة خلال العمل على إنجاز المنشآت الرياضية التي ستستضيف المونديال). بعد هذا الحدث الكبير، وفي صدد العلاقات المتوترة جداً، بين الدول الخليجية، وخاصّة كل من الإمارات والسعودية، مع قطر، بدأت تظهر الكثير من الحملات التي تهدف إلى التصويب على أحقية قطر باستضافة المونديال.
بدأت الأزمة منذ حوالى الأربع سنوات، كانت تداعياتها تنعكس على كل الأصعدة، السياسية منها والاقتصادية وصولاً إلى الرياضية، وكانت أول خطوة من الدول المعارضة لقطر، هي سحب كل الإداريين والمعلّقين الرياضيين من قنوات «بي إن سبورتس» القطرية، وعلى رأسهم كل من علي سعيد الكعبي وفهد العتيبي وفارس عوض. ثلاثة معلّقين يُعتبرون من بين الأفضل في العالم العربي، تركوا عملهم في قطر، بسبب المقاطعة التي فرضتها دول هؤلاء المعلقين على قطر. خطوة، تبرهن يوماً بعد يوم، أن الرياضة لن تنفصل عن السياسة ولا بأي شكل. وما يؤكّد هذا الكلام، هو ما حدث في بطولة كأس آسيا الأخيرة، والتي أقيمت في دولة الإمارات العربية المتحدة، حيث تمّ التضييق على الجماهير القطرية القليلة التي كانت حاضرة. أضف إلى ذلك، التضييق «المبالغ فيه» على الوفد الإعلامي القطري، وهو ما دفع السلطات القطرية إلى الطلب من جماهيرها عدم السفر إلى الإمارات لمتابعة المنتخب القطري، خوفاً من حصول أي إشكالات. لم ينسَ المتابعون حادثة «الشباشب» التي شهدتها مباراة نصف النهائي بين كل من المنتخب القطري والمنتخب الإماراتي صاحب الأرض، والتي كان نتيجتها، رمي زجاجات المياه والأحذية على لاعبي المنتخب القطري بعد تسجيل الأهداف. ما زاد الطين بلة، هو الفوز الكبير الذي حققه القطريون على كل من السعودية والإمارات في البطولة الآسيوية (2-0 على السعودية، 4-0 على الإمارات في مباراة نصف النهائي)، فكانت النتيجتان بمثابة انتصار للقطريين وخسارتين كبيرتين للسعوديين والإماراتيين. هكذا قرأ الجميع الموضوع بعد كل ما حصل قبل البطولة وخلالها.
التطورات، يضاف إليها اليوم تحرك على أعلى المستويات في الدول الخليجية وتحديداً في السعودية والإمارات للتصويب على مونديال 2022. تحرَّك ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، في محاولة لمنع قطر من استضافة مونديال 2022 ولو اقتضى ذلك دفع أموال طائلة إلى بعض الجهات الأوروبية لتشويه صورة دولة قطر أمام الرأي العام العالمي والدول الكبرى. الأمر ليس سرّاً، فهذا ما تناقلته معظم وسائل الإعلام ووكالات الأنباء العربية والعالمية.

تحدّثت صحيفة الغارديان عن ملايين الدولارات التي تُدفع لسحب ملف كأس العالم من قطر


هذا ما كان في الأجواء العربية ـ العربية، أمّا بالنسبة لما كان بمثابة «الخضّة» في الوسط العربي، هو التقرير الذي نشرته صحيفة «الغارديان» البريطانية، والذي كشفت من خلاله عن تفاصيل خطة «علاقات عامة» متكاملة، هادفة وبشكل أساسي لسحب بطولة كأس العالم 2022 من قطر. الأرقام التي كشفتها الصحيفة «مخيفة» جداً، فمقابل 5.5 مليون باوند، والتي تقوم على أساس دفعات شهرية بقيمة 300 ألف باوند ولمدة 18 شهراً، إضافة إلى 100 ألف باوند للبحوث التي من شأنها ربط العاصمة القطرية الدوحة بالإرهاب في نظر الرأي العام العالمي.
أفاد التقرير أيضاً، أن السير لينتون كروسبي، الناشط السياسي الأوسترالي الأصل الذي قدّم خدمات سابقة لحزب المحافظين البريطاني أثناء انتخابات عمادة لندن في 2008 و2012، والانتخابات التشريعية في 2005 و2015، قد وقّع شخصياً على الخطّة التي يجب اتباعها لتتمكّن كل من الدولتين الخليجيتين السعودية والإمارات، من الإطاحة بقطر ومونديالها. ويلقّب كروسبي بـ«سيد الفنون السوداء في السياسة»، أو «صاحب نظرية القط الميت»، التي أعجبت وزير الخارجية البريطاني السابق بوريس جونسون، وتقوم هذه النظرية على مبدأ إلقاء قط ميت (بالمعنى المجازي) على الطاولة القطرية، وذلك بهدف صرف النظر عن قضايا أخرى، وإجبار الجميع على التعاطي مع هذه القضية. قضية «القط الميت». تماماً كما تقوم «المافيا» بتهديداتها لبعضها البعض.
أوضح تقرير الصحيفة البريطانية عينه، أن كروسبي سيتقاضى بما يعادل الـ5.5 مليون جنيه إسترليني (باوند)، ولم تذكر من هي الجهات المعنية التي ستدفع مبلغاً كهذا بغية القضاء على الأحقية القطرية باستضافة كأس العالم. ولكن ما هو مرجّح، ولا يمكن أن يختلف عليه اثنان، أن الجهات المسؤولة عن دفع هذا المبلغ لكروسبي، هي أجهزة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، وحاكم أبوظبي محمد بن زايد، والتي اشتهرت بسوابق عديدة في تغيير الرأي العام العالمي ضد الدولة القطرية بصورة عامة (سياسياً)، والسعي وراء إفشال تنظيم مونديال 2022 بصورة خاصة (رياضياً). لا يمكن اعتبار رفض كل من الحاكمين بن سلمان وبن زايد استضافة قطر للمونديال في 2022، هو بسبب الخلافات السياسية فقط، فالجميع كان قد علم كيف صوّتت كل من الدولتين السعودية والإماراتية للملف الأميركي على حساب الملف المغربي في استضافة مونديال 2026. ربّما الأمر أخذ منحنى آخر، والذي من الممكن أن يكون قائماً على «الغيرة»، وعلى حب السلطة لهذا الحلف الخليجي الذي يحاول وبكل الطرق، سحب ملف المونديال، ووضعه في يد بلد آخر.
ولم يكن ينقص كلاً من العاصمتين، الرياض وأبوظبي سوى الخسارة أمام المنتخب القطري في كأس آسيا أخيراً، لكي تزداد هذه الأحقاد بين هذه البلدان.
مما لا شك فيه، أن تحقيق صحيفة «الغارديان» البريطانية حول هذه القضية قد أحدث ضجّة عالمية. لكن ما هو جديد، ما نشره حساب «بدون ظل» على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، والذي يعرّف نفسه على أنه أحد الضبّاط في جهاز الأمن الإماراتي، حول دور كل من السعودية والإمارات لسحب المونديال من قطر. وكشف الحساب أن وليّي عهد أبوظبي والسعودية، محمد بن زايد ومحمد بن سلمان توالياً، قد دفعا ما يعادل 15 مليون جنيه إسترليني لمسؤولين بريطانيين بهدف «تشويه سمعة قطر» حتى تسحب بطولة كأس العالم منها. وأوضح الحساب أيضاً، أن المبلغ المذكور في صحيفة «الغارديان» (5.5 مليون باوند التي ذكرته الصحيفة والذي يتعلّق بقضية كروسبي والرأي العام) هو لمسؤول واحد، مطالباً قطر بضرورة استخدام علاقاتها لكشف المسؤولين الآخرين عن مثل هذه الأهداف الخبيثة. وتؤكد تقارير أن السعودية والإمارات ربما تلجآن في المرحلة المقبلة للحديث عن الدور القطري في الأحداث والصراعات التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الماضية، وتحديداً في سوريا ومصر وغيرها من المناطق التي شهدت حروباً بعد ما سمّي بـ«الربيع العربي».
الجدير ذكره أنه قبل أيّام كشف دبلوماسي مصري رفيع أن السعودية والإمارات «شكّلتا لجاناً خاصة، وكرّستا أموالاً ضخمة، للعمل بأي شكل وبأي ثمن على منع استضافة قطر بطولة كأس العالم لعام 2022». وقال المسؤول المصري إن دولاً خليجية تمارس الضغوط على المسؤولين في الـ«فيفا»، مؤكداً أن مسؤولين في الاتحاد الدولي «طلبوا وساطتنا لدى الرياض وأبو ظبي للتخفيف من ضغوطهما»، معبّراً عن «القلق الشديد من أن تتوسّع هذه المساعي لتشمل تحركات تخريبية في الدوحة».
في النهاية، ومع بداية عام 2019، لا تزال الرياضة الأكثر شعبية في العالم، وغيرها من الرياضات الأخرى، متصلة بشكل كامل بالسياسة. ومن الطبيعي، أن هذا الارتباط، قد يغيّر قرارت مصيرية في عالم كرة القدم، كسحب حق قطر في تنظيم بطولة كأس العالم، وهذا ما تهدف إليه «دول المقاطعة» لقطر بحسب ما تُسمّى. لطالما كانت السياسة جزءاً من الرياضة، حتى في الملاعب الأوروبية، على سبيل المثال، أحداث إقليم كاتلونيا في برشلونة، والتي تأثّر فيها ملعب الكامب نو الخاص بنادي برشلونة، حيث منع الجمهور من دخول الملعب في الموسم الماضي. كلها أحداث رياضية، وفي باطنها، لا يغيب عنها هذا النبض السياسي، الذي من الممكن أن يكون صغيراً ولم يكبر بعد في دول ما، ولكنه، بكل بساطة، «يبقى موجوداً».