في كلّ يوم تقريباً، تخرج الهيئات والمؤسسات الرياضية وحتى الاتحادات الدولية للمطالبة بإبعاد الرياضة عن السياسة، ولكن في كل مناسبة تعود هذه الأخيرة لتدخل بقوة في الرياضة على مختلف المستويات. قضية لاعب كرة القدم البحريني حكيم العريبي عادت خلال الساعات الماضية إلى الواجهة. فاللاعب الذي لم يخفِ انحيازه للحراك المطلبي في البحرين بوجه سلطات المنامة، نجا من احتمال تسليمه إلى السلطات البحرينية.

في خطوةٍ مفاجئة، أطلقت السلطات التايلاندية سراح اللاعب حكيم العريبي بعد 76 يوماً قضاها في السجن. وصل اللاعب البحريني أمس إلى مطار ملبورن في أستراليا، ليتنفّس الصعداء بعدما فقد الأمل من النجاة من «براثن» السلطة البحرينية. العريبي الذي سافر إلى تايلاند ليقضي شهر العسل برفقة زوجته، لم يكن يعلم أنّ حياته ستنقلب رأساً على عقب لدى وصوله إلى الأراضي الآسيوية، لتتحوّل إجازته المنتظَرة إلى كابوس فعليّ، انتهت أخيراً بالإفراج عنه. شهر عسل غير سعيد!
لم يكن أحد ليتوقع أن تقوم البحرين بالتراجع عن طلبها بتسليم العريبي لها، لا سيما أنّ المحكمة التايلاندية كانت قد قضت بتجديد سجن العريبي لمدة 60 يوماً إضافياً للنظر في أمر تسليمه إلى البحرين، المحكوم عليه فيها غيابياً بالسجن لعشر سنوات. رضخت البحرين أخيراً للضغوطات التي تعرضت لها، لا سيما بعدما شكّلت قضية العريبي محور تجاذب وتداخل سياسي-رياضي في الأسابيع الماضية بين أطراف عدة، أبرزها أستراليا والهيئات الرياضية الداعية للإفراج عنه. وذكرت النيابة العامة التايلاندية أنه «تم إبلاغنا من قبل وزارة الخارجية بسحب البحرين طلبها بالتسليم. إذا لم يعودوا يطالبون به، لا سبب يدفعنا لإبقائه هنا». وأتى الإعلان عن وقف الإجراءات والمحاكمة غداة زيارةٍ قام بها وزير الخارجية التايلاندي دون برامودويناي إلى المنامة، حيث التقى رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة، بحسب وكالة أنباء البحرين الرسميّة. وكان اللاعب البحريني قد ناشد الحكومة التايلاندية بالإفراج عنه قائلاً: «أرجوكم لا ترسلوني إلى البحرين»، وذلك مخافة التعرض للتعذيب أو حتى القتل في حال عودته إلى بلاده. حكيم لا يريد أن يُعيد اختبار ما عاشه من تعذيب في البحرين سابقاً، حين تم اعتقاله عام 2012 بعد ادّعاء السلطات أنّ مجموعة من المتظاهرين، بينهم العريبي وأخوه، هاجموا مركزاً للشرطة بالقنابل الحارقة خلال الحراك المطلبي البحريني ضدّ السلطة الحاكمة. حينها شنت الأخيرة حملة قمع ضد الرياضيين الذين شاركوا في تلك الاحتجاجات، ليتم اعتقالهم وضربهم وعرض وجوههم على التلفزيون الرسمي على أنهم خونة. احتُجز العريبي إثر ذلك لمدة ثلاثة أشهر وتعرّض للتعذيب، مع استهداف الحرّاس لساقيه بالضرب وإخباره بأنه لن يلعب كرة القدم مرة أخرى. إلا أنّ اللاعب أنكر تلك الاتهامات، وسُمح له فيما بعد بالسفر إلى قطر ليخوض مباراة كرة قدم مع المنتخب الوطني، ليستغلّ الفرصة ويسافر إلى إيران، وبعدها إلى أستراليا التي منحته حق اللجوء منذ خمس سنوات.

شكلت قضية العريبي محور تجاذب وتداخل سياسي - رياضي في الأسابيع الماضية


أزمة العريبي الأخيرة بدأت في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، حين سافر اللاعب البالغ 25 عاماً إلى تايلاند لقضاء شهر العسل مع زوجته. لكن قبل مغادرته أستراليا، تواصل مع السلطات للتأكّد من أنّ سفره آمن، وتم منحه ضمانات عديدة بأنه محمي ويمكن أن يذهب «إلى أي مكان غير البحرين». وقد حذّرته شقيقته في البحرين من خطر السفر لكنه أكد لها أنه «تحت الحماية الأسترالية ولن يسمحوا بأن يحدث أي شيء لي». لكن سرعان ما تم احتجازه في مطار بانكوك بعد طلبٍ من البحرين باعتقاله لإدانته بالقيام بأعمال تخريبية سابقاً في مركز للشرطة، وهي الاتهامات التي ينفيها العريبي. وقد استند الاعتقال إلى إخطار الإنتربول، الذي صدر بشكل خاطئ بناءً على طلب البحرين، وهو ما يتناقض مع لوائح الانتربول الخاصة بعدم إصدار الإخطارات «إذا تم تأكيد وضع اللاجئ أو طلب اللجوء». هكذا وُضع العريبي في السجن التايلاندي، بعدما تم إخبار زوجته أنها لن تراه مرة أخرى وتم إعادتها إلى أستراليا. إلا أنّ العريبي أصرّ على براءته من تلك التهم، وأكد أنه كان يشارك في مباراة كرة قدم كانت تُبث مباشرة على الهواء في وقت الاعتداء المزعوم، مشيراً إلى أنه يعتقد أنّ البحرين تستهدفه بسبب مقابلة أُجريت عام 2016 مع قناة ألمانية، قال فيها إنّ رئيس الاتحاد الآسيوي لكرة القدم سلمان بن إبراهيم آل خليفة (وهو أحد أفراد العائلة الحاكمة في البحرين) لم يكن مناسباً لرئاسة الفيفا. ووفقاً لتقرير صادر عن هيومن رايتس ووتش، اتَّهم العريبي سلمان بالفشل في وقف حملة القمع ضد الرياضيين البحرينيين خلال الانتفاضة (الحراك الشعبي المطلبي) البحرينية الآنف ذكرها.
نجا العريبي من كابوسه الأسوأ وعاد إلى أستراليا، حيث استُقبل بحفاوة بحضور حشد من المؤيدين والناشطين ولاعبي كرة القدم الذين رفعوا الشعارات المرحّبة به. وقال العريبي مبتسماً لدى وصوله: «أشكر أستراليا. أنا لا أملك الجنسية بعد، لكن أستراليا بلدي. أريد أن أموت في أستراليا». وفي هذا السياق شكر رئيس الوزراء الأسترالي سكوت موريسون السلطات التايلاندية للإفراج عن حكيم، مبدياً سعادته بعودته. كما رأى القائد السابق لمنتخب أستراليا كريغ فوستر الذي كان على رأس حملة إطلاق العريبي أنّ إطلاق سراحه «نصر كبير لحركة حقوق الإنسان»، فيما لاحظت منظمة هيومان رايتس ووتش أنّ احتجازه «شكّل ظلماً كبيراً». من جهتها، لم تُظهر البحرين أي مؤشر يدلّ على أنها ستتخلى عن مطاردة العريبي. وحتى بعد الإفراج عنه، حافظت على «حقها» في مواصلة ملاحقته. فقد أكدت وزارة الخارجيّة البحرينيّة أنها أخذت علماً بوقف الإجراءات التايلاندية بحق العريبي، دون التطرق لمسألة سحب الطلب، مشيرةً إلى أنه «على الرغم من توقف الإجراءات القانونية ضد حكيم العريبي في مملكة تايلاند، إلا أنّ حكم الإدانة الصادر ضده من المحكمة لا يزال قائماً، ويحق للعريبي تقديم استئنافه لمحكمة الاستئناف العليا في مملكة البحرين»، مشددةً على «حق مملكة البحرين في اتخاذ كافة التدابير القانونية ضد العريبي». وكانت البحرين قد رفضت التشكيك بنزاهة قضائها، إذ اعتبر وزير الداخلية البحريني الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة أنه «لا يمكن السماح، تحت أي ظرف، بالتدخل في شؤوننا الداخلية أو التشكيك في نزاهة القضاء البحريني المستقل، وذلك في ظلّ موجة التضليل والتشكيك المثارة على خلفية قضية المدعو حكيم العريبي». وقد عرفت قضية العريبي إدانةً كبيرةً من منظّمات إنسانية حول العالم واتحادات رياضية، لا سيما بعد انتشار صورته بقدمين حافيتين مكبلتين بالأصفاد لدى اقتياده إلى المحكمة. كما أعلن نجوم كرة قدم عالميون تضامنهم مع اللاعب البحريني، أمثال النجم العاجي السابق ديدييه دروغبا، جيمي فاردي لاعب ليستر سيتي الإنكليزي والإيطالي جيورجيو كيليني مدافع يوفنتوس.