لا تخلو أي بطولة كبرى في كرة القدم من مشكلات على صعيد حضور الجماهير في المباريات. هذه المشكلات تبدأ عند الشغب ولا تنتهي عند اطلاق العبارات العنصرية. في انطلاق كأس اوروبا 2012 حملت لنا الاخبار القادمة من بولونيا واوكرانيا عن مشاغبات عدة حصلت خارج الملاعب، وكان ابرزها قبل مباراة بولونيا وروسيا، فضلاً عن اطلاق بعض العبارات العنصرية بحق بعض اللاعبين كما حصل مع الايطالي ماريو بالوتيللي والتشيكي ثيودور جبري سيلاسي، وهي التصرفات التي تؤذي أصحابها اولاً قبل الآخرين، حيث عاقب الاتحاد الاوروبي لكرة القدم روسيا بغرامة مالية اضافة الى حسم 6 نقاط من رصيدها (مع وقف التنفيذ).


لكن في مقابل الصورة السئية ثمة صورة جميلة جداً عن الجمهور. المشاعر التي تنقلها لنا الكاميرات تظهر مدى عشق هذه الجماهير للعبة كرة القدم: هنا مشجع يتحسّر على هدفٍ ضائع، وهنا آخر يطير من الفرح بعد تسجيل منتخبه لهدف او فوزه بمباراة، وهنا مشجع يقف غاضباً على هدف غير محتسب، وهنا آخر يصرخ لقرار الحكم. لكن الاجمل من ذلك كله هو اللوحات الفنية التي ترسمها الجماهير على المدرجات من خلال الازياء والابتكارات التي تتخطى حدود المعقول. ولعل المشهد الاجمل حين يحتشد هؤلاء بلون واحد على غرار اللون البرتقالي الذي يحضر في المدرجات الهولندية، ما يعكس صورة بهية تفرح القلوب. كرنفال هو ذلك الذي يدور في الاراضي البولونية والاوكرانية. كل بلد قدم خلفه مشجعون ينقلون ثقافته.
اما عن الابتكارات فحدث ولا حرج: هنا رجل سويدي يرتدي زي امرأة، وهناك آخر يحاول تقليد مواطنه اللاعب زلاتان ابراهيموفيتش، وهنا مناصرون سويديون آخرون يرتدون أزياء مقاتلين قدماء، وهنا مشجعون إسبان يرتدون زي لاعبي كمال الاجسام.. وآخر يرتدي زي مصارع الثيران، اللعبة المشهورة في تلك البلاد. وهناك حسانوات هولنديات يرتدين أزياء ملكية. وهنا مشجعة المانية ترتدي زي نحلة. وهنا مجموعة من المشعجين الانكليز يرتدون زياً موحداً عبارة عن وجه نمر كبير على قمصانهم، وآخرون منهم يرتدون أزياء مقاتلين من القرن الماضي، وهنا مشجعة اوكرانية تضع باقة من الورود الجميلة على رأسها وآخر يرتدي نظارات كبيرة الحجم عليها علم اوكرانيا، وهنا مجموعة من المشجعين الروس يقفون جنباً إلى جنب ويرتدون قمصاناً عليها احرف تُظهر في النهاية كلمة «يورو» بالانكليزية، وهنا مشجعون فرنسيون يرتدون زي الديك، وهو شعار منتخب بلادهم، وهنا مشجعان انكليزيان يرتديان قناعين لوجه الملكة البريطانية اليزابيت الثانية، في حين ان آخر يرتدي قناعاً لوجه الأمير تشارلز بينما ارتأى زميله ان يضع وشماً كبيراً لكلمة انكلترا بالانكليزية على ظهره، وهنا اثنان يرتديان شعراً مستعاراً كثيفاً أبيض اللون، وهنا مشجع سويدي يرتدي زي ثور.
بعض المشجعين الآخرين يكتفون بطلاء وجوههم بأعلام بلدانهم حيث تنتصب خارج المدرجات الخيم التي يبتكرون فيها الرسومات على الوجوه، كتلك الصبية الاوكرانية التي رسمت قلباً على كامل وجهها بألوان علم بلدها.
اما الطقوس الغريبة فتبدو حاضرة بقوة: فهنا، على سبيل المثال، مشجعون فرنسيون خارج الملعب يتجولون بعكازات عملاقة وبأزياء غريبة.
الاجواء الفكاهية حاضرة بدورها، فهنا مشجع كرواتي وآخر ايرلندي يقومان من خلال التمثيل بالتعارك على مرأى من رجال الشرطة، فيما الجماهير المحيطة بهما غارقة بالضحك لما يفعلانه وازاء ذهول الشرطة التي تتفرج بدورها على هذه التمثيلية الهزلية، وهنا مشجع فرنسي يبدو غافياً من موقع الجلوس خلال مباراة منتخب بلاده وانكلترا، وهي اللقطة التي نقلتها عدسات المصورين واثارت حالة من الضحك في العالم بأسره.
الروح الرياضية تحضر أيضاً، فهنا مشجعة برتغالية ترتدي زي بلادها مع طلاء وجهها بألوان علم المانيا، وبجانبها مشجع ألماني بزي بلاده فيما تحتل الوان علم البرتغال تفاصيل وجهه، وهنا جماهير برتغالية والمانية تحتفل معاً إضافة إلى شابين اوكرانيين بزفافهما.
اما التعبير عن الفرحة فيختلف بين مشجعين وآخرين، ففي الوقت الذي يكتفي فيه البعض بالفرح او الاسى، فإن الجماهير الكرواتية تبدو الاكثر صخباً من خلال الاجواء المذهلة التي تزرعها في المدرجات.
كرنفال حقيقي اذاً في بولونيا وأوكرانيا. كرنفال حضاري فيه كل الفنون. دعونا لا نلتفت الى بعض المشاغبات وبعض الهتافات المشينة التي تصدر من هنا وهناك، فثمة لدى الجماهير في كأس اوروبا ما يدعو الى الفرح أيضاً.