ليس برشلونة وحده عدواً لريال مدريد؛ فهناك على الساحة القارية وحشٌ آخر لا يحب المدريديون رؤيته في ملعب «سانتياغو برنابيو». وحشٌ يكرهونه، وكيف لا، فهو الذي افترسهم 10 مرات في 18 مواجهة أوروبية بينهما (تعادلا مرتين فقط)، وهو الذي وقف عثرة أمام طموحاتهم الساعية إلى استقطاب بعض النجوم، وهو الذي لم يتمكنوا قط من ضربه في معقله حيث عادوا دائماً إلى العاصمة الإسبانية وهم يجرّون أذيال الخيبة.


من العداوة التي يكنّها ريال مدريد لبايرن ميونيخ والعكس، تبرز السخونة بين فريقين في إحدى أقوى المواجهات الكروية في العالم، التي هي بحجم «إل كلاسيكو» إسبانيا أو القمة التقليدية الأميركية الجنوبية بين البرازيل والأرجنتين، وحتى بالنسبة إلى اللاعبين الألمان في الفريق البافاري أشبه بمنازلتهم لأحد أعداء «المانشافت» مثل إنكلترا وهولندا، وبدرجةٍ أقل فرنسا وإيطاليا.
ومواجهتا الدور نصف النهائي لدوري أبطال أوروبا التي سيبدأ فصلها الأول الليلة على ملعب «أليانز أرينا» في ميونيخ، ستطلق شرارة الحرب القارية بين بايرن وريال مجدداً. هذه الحرب التي غالباً ما ظهرت بين الطرفين في مرحلة متقدمة من البطولة القارية وتركت ذكريات أُضيفت إلى «الكتاب الأسود» للأحداث العاصفة التي حصلت بينهما؛ إذ رغم تواجههما 4 مرات في دور الأربعة لدوري الأبطال، وهو أمر وحده كافٍ لخلق حدّة بينهما، فإن المباريات الودية حتى لم تنتهِ على خير.
اعتداءات، انسحابات، عقوبات، وحالات طرد. هذه كانت عناوين المواجهات المختلفة بين فريقين لا تسمح لهما كبرياؤهما بالهزيمة، انطلاقاً من مكانتهما المحلية؛ إذ إنهما الأغنى في بلديهما والأكثر إحرازاً للألقاب المحلية والخارجية. أما اللقاء الأول الذي جمعهما في نصف نهائي الأبطال فكان عام 1976، حيث أطاح فريق فرانتس بكنباور وغيرد مولر وأولي هونيس وسيب ماير نظيره الملكي، في طريقه إلى تأكيد هيمنته القارية بلقبٍ ثالثٍ على التوالي. وهذه المباراة بقيت في الذاكرة بعد الاعتداء الذي قام به الرجل المعروف بـ«إل لوكو دل برنابيو»، أي «مجنون برنابيو» على مولر وحكم التماس النمسوي إيريك لينيماير. وهذه الحادثة كادت تقضي على المدريديين بعد صدور قرارٍ بحرمانهم المشاركات الأوروبية لخمس سنوات، قبل أن تخفّف إلى خوضهم ثلاث مباريات بعيداً من ملعبهم!
وبعد أربع سنوات التقى صاحبا
الـ 13 لقباً في دوري الأبطال (9 لريال و4 لبايرن) في مباراة ودية انتهت بفوز البافاريين 9-1. وفي الصيف التالي لعب بايرن في مدريد مباراة ودية، لكنه انسحب خلالها بعد طرد مدافعه كلاوس أوغنتالر لتوجهه بإشارة غير رياضية باتجاه الجمهور المحلي.
وبعد 11 سنة على خروجه أمام الفريق الذهبي الخاص بـ«القيصر»، التقى ريال مع البافاريين عام 1987 في الدور عينه، فلقي الخروج مجدداً، حيث سُجّلت حادثة صادمة أخرى، وذلك عندما داس خوانيتو رأس لوثار ماتيوس، فخاض آخر مباراة أوروبية له بعدما أُوقف 5 سنوات.
وبين 1999 و2004 التقى الفريقان في ثلاث مواجهات؛ ففي موسم 1999 - 2000 لعبا 4 مرات، وكان الفوز من نصيب بايرن 3 مرات (4-2 و4-1 في دور المجموعات)، لكن في النهاية بلغ الإسبان المباراة النهائية وفازوا باللقب، ليضرب الألمان معهم موعداً ثأرياً آخر في الموسم التالي، حيث أقصوهم من دور الأربعة ليحرزوا لقبهم الأخير. وردّ ريال مدريد التحية في ربع نهائي الموسم الذي لحقه، وفي دور الـ 16 لموسم 2003-2004، قبل أن يفعلها بايرن في لقائهما الأخير في الدور عينه موسم 2006-2007.
وبين وصف مهاجم بايرن البيروفي كلاوديو بيتزارو لاعبي ريال مدريد بالمهرّجين قبل مواجهتهما في مدريد عام 2004، وبين الحرب الباردة التي بدأها ريال لاستقطاب نجوم بايرن، من أمثال باستيان شفاينشتايغر والفرنسي فرانك ريبيري، وردّ بايرن بخطف الهولندي أريين روبن إلى معسكره في الوقت الذي كان يتمنى فيه ريال عودة اللاعب إلى إنكلترا بدلاً من الانتقال إلى عدوه القاري، يبدو الجميع مشغولاً بموقعة الليلة وحتى «الأسطورة» الأرجنتيني دييغو أرماندو مارادونا الذي رشّح بايرن لتخطي العملاق الإسباني.
هذا الترشيح ليس بعيداً عن الواقع، ولو أن الفريق الأحمر لا يبدو في مستوى نظيره الأبيض. لكن دوافعه كثيرة، أهمها أنه يريد إنقاذ موسمه عبر خوض النهائي على أرضه، في موازاة سعي روبن مثلاً إلى ثأرٍ شخصي من الفريق الذي أخرجه من الباب الضيق في 2009، ومثله مدربه يوب هاينكيس الذي طردته إدارة الملكي عام 1998 بعدما أعاد إليها الكأس الأوروبية الغالية التي غابت عنها 32 عاماً. لكن رغم التصاريح الأخيرة المتبادلة بين الطرفين التي تشير إلى احترام أحدهما لتاريخ الآخر، لم يبرّد بكنباور الأجواء، وذلك من خلال تصريح تحريضي على مدرب ريال، البرتغالي جوزيه مورينيو الذي حرم فريقه اللقب مع إنتر ميلانو الإيطالي قبل عامين في نهائي «سانتياغو برنابيو»؛ إذ قال: «ارتداء قمصان من الكشمير لا يجعل من الرجل شخصاً مؤدباً. إنه فظ وغليظ».
تصريح يكفي للدلالة على أنه لا مكان للسلام عندما يتطرق الأمر إلى مواجهة بين بايرن ميونيخ وريال مدريد، وكل من ينضم إلى معسكر أحد الفريقين يصبح عدواً من الدرجة الأولى.