سؤالان يفتحان الباب على تقويم تجربة المدرب الإيطالي جوسيبي جيانيني مع منتخب لبنان. «أمير روما» قال خلال المؤتمر الصحافي الذي عقده الاتحاد اللبناني لكرة القدم في 4 تموز الماضي لتقديم المدرب الجديد وجهازه الفني «دعوني أعمل ومن ثم حاسبوني». عبارة قد يكون حان وقتها لتقويم تجربة المدرب الإيطالي مع منتخب لبنان وما تم تحقيقه. وهل أن حساب «حقل» الكرة اللبنانية يتطابق مع حساب «بيدر» مشروع جيانيني؟

غالباً ما يقاس نجاح أي مشروع بالنتائج التي تصدر عنه.

فمشروع التعاقد مع جيانيني كان بشقّين: واحد قصير المدى يتعلق بالتأهل الى نهائيات كأس آسيا، والثاني يهدف إلى تطوير كرة القدم اللبنانية انطلاقاً من منتخب لبنان.
لا يختلف اثنان على أن جيانيني حقق نقلة نوعية على صعيد تمارين المنتخب والأفكار التي قدمها المدرب الإيطالي تكتيكياً وخططياً، لكن كل هذا لم يظهر على أرض الملعب. فعلى صعيد النتائج، تعادل لبنان مرتين مع الكويت (1 - 1 و0-0) وخسر من إيران 1 - 4. والمقلق أن منتخب لبنان لم يتطور فنياً منذ تسلّم جيانيني مهماته. وقد تكون فترة عمله مع منتخب لبنان قصيرة وهي لا تتجاوز خمسة أشهر. لكن هذا لا يبرر أن لا يطرأ تحسنٌ فنيٌ على أداء المنتخب، رغم كل ما جرى تقديمه وتأمينه من قبل المسؤولين. التحسن الذي بدا واضحاً على المنتخب يتعلق بالجانب البدني. إلا أن البعض يقلل من حجم هذا التطور، وخصوصاً بعد «انكشاف» مستوى اللياقة البدنية لدى معظم اللاعبين في لقاء إيران. إذ ظهر بوضوح أن معظم هؤلاء اللاعبين غير مؤهلين لخوض مباراتين في ظرف أربعة أيام. وهو أمر يرى بعض المتابعين أنه لا يتوافق مع فكرة التطور البدني.
لكن هناك وجهة نظر أخرى تبدو أكثر واقعية، وهي أن المنتخب تطور بدنياً وهو ما ظهر في مباراتي الكويت، حيث استطاع لبنان مجاراة الكويتيين ذهاباً، وعادل نتيجة مخزونهم البدني، وتفوق في الإياب في ربع الساعة الأخير من دون القدرة على خطف النقاط. إلا أن هذا التطور البدني لم يترجم الى نتائج فنية إيجابية، حيث حصد لبنان نقطتين فقط من ثلاث مباريات. وحتى نكون واقعيين، لا يمكن اعتبار الخسارة أمام إيران خارج المألوف. فهم متطورون فنياً وبدنياً، لكن هذا لا يبرر هذه الخسارة الثقيلة، وخصوصاً أن لبنان كان في أسوأ حالاته سابقاً، ورغم ذلك لم يظهر بهذه الصورة وتحديداً في الشوط الثاني، حيث تحولت المباراة الى «تسلية ولعبة حرقوص» للإيرانيين.
إذاً النقطة الأهم تتعلق بمباراتي الكويت، وتحديداً الثانية التي كانت الاستحقاق الحقيقي لقدرات جيانيني، إلا أنه فشل بها. فالمدرب الإيطالي قد يكون ممتازاً في التمارين ويقدم أفكاراً رائعة، لكن حين تأتي المسألة لإدارة المباريات تختلف الأمور، فتتكاثر الأخطاء ويصبح جيانيني «خارج التغطية». ففي الكويت، كان هناك ثلاث محطات تشير الى هفوات أو عدم وضوح في الرؤية وقع بها جيانيني خلال المباراة قد تكون كلّفتنا عدم التأهل الى نهائيات آسيا.
على سبيل المثال، في الدقيقة العشرين، يطلب جيانيني من اللاعب عباس عطوي «أونيكا» التحمية وهو توقيت مبكر جداً في أي مباراة. البعض أشار الى أن السبب قد يكون التخوف من إصابة محمد حيدر بعدما شوهد يمسك ركبته. لكن هذا لم يكن واضحاً، وبالتالي لا يمكن تفسير سبب الطلب من «أونيكا» التحمية. وفي الشوط الثاني، مع دخول أونيكا، رفع الحكم الرابع اللوحة التي تشير الى دخول عطوي وخروج محمد غدار. لكن جيانيني عاد وطلب خروج حسن معتوق، وهو تبديل يعتبره المتابعون خاطئاً، وخصوصاً أن زميله محمد حيدر كان سيئاً للغاية ويمعن في المراوغة، ورغم ذلك لم يتحرك جيانيني للجمه والطلب منه اللعب جماعياً، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غدار الذي فوّت على لبنان فرصة ذهبية في أكثر من مناسبة نتيجة عدم تبادله الكرات مع زملائه، وخصوصاً في واحدة مع رضا عنتر. ففي مباراة مثل هذه، والتي تعتبر مصيرية للبنان ومطلوب تحقيق الفوز بها، لا يمكن ارتكاب مثل هذه الأخطاء، وإهدار فوز ممكن لتنتقل المهمة الى واحدة أصعب وهي الفوز على العملاق الإيراني.
سرد هذ الوقائع هو لإعطاء فكرة عن طريقة إدارة جيانيني للمباراة، وهو الأمر الأساسي الذي يسجل عليه. ويرى متابعون عن كثب لمنتخب لبنان أن الأخير لا يملك القراءة الصحيحة للمباريات، وما تلك المحطات التي حصلت سوى دليل على تواضع قراءته خلال اللقاءات.
قد يرى البعض في هذا الكلام تحاملاً على جيانيني أو تحميله مسؤولية أمور لا طاقة له عليها. لكن ما تأمّن لجيانيني لم يحصل عليه أي مدرب، والجهود التي بذلها المسؤولون ابتداءً برئيس الاتحاد هاشم حيدر، وانتهاءً بأصغر فرد في المنتخب تعتبر جبارة، إن كان على الصعيد المادي أو اللوجستي. فجهاز فني يكلّف ما يقارب النصف مليون دولار سنوياً، يتوقع أن يقدم الكثير لمنتخب لبنان. وبأبسط تقدير التأهل الى نهائيات كأس آسيا مباشرة ودون انتظار خدمة من الصينيين أمام العراق، وخصوصاً أن المنافس الرئيسي على البطاقة الثانية، وهو منتخب الكويت، لا يتفوق على المنتخب اللبناني لا فنياً ولا بدنياً، وبالتالي فإن إمكانية التفوق عليه كانت ممكنة لو كان هناك إدارة صحيحة للمباريات. والكلام هنا ليس على النتائج، بل على الشكل والتطور والحضور أيضاً.
وهذا لا يعني أن المشروع برمته فاشل، لكنّ هناك أموراً يجب أن تناقش ويُسأل عنها الجهاز الفني، وتحديداً جيانيني في ما يتعلق بالفترة السابقة وما تم تحقيقه من نتائج وما جرى تقديمه من عروض خلال هذه الفترة.
لكن فشل الفترة السابقة لا يتحمله جيانيني وحده. وقد يكون ذهب ضحية العقلية المتخلفة التي تعيشها الكرة اللبنانية. والكلام هنا يعني بعض اللاعبين في المنتخب والذين خذلوا الجميع، بدءاً من المسؤولين خارج المنتخب وانتهاءً بزملائهم على أرض الملعب. فجيانيني وأفكاره الاحترافية وعقليته المتطورة كان يجب أن تظهر نتائج من خلال ما يقدمه اللاعبون. لكن بعض هؤلاء بقوا أسرى العقلية اللبنانية الهاوية. فحين تظهر بوادر مشروع تمرد في معسكر البحرين لمجرد عدم السماح لبعض اللاعبين لحضور مجالس عزاء خلال عاشوراء، وكسر هؤلاء اللاعبين لقرار المنع يعطي فكرة عما يختزنه هؤلاء.
وبغض النظر عن أحقية ممارسة الشعائر الدينية وقدسية المناسبة ومعانيها، إلا أن يقوم اللاعبون بالمشاركة في هذه المجالس في بلد مثل البحرين وما يشهده من انقسام وباللباس الرسمي للمنتخب فهذا أمر غير مقبول ولا ينم عن روح مسؤولية، وخصوصاً أن المنتخب في ضيافة البحرينيين. وهذا ما أثار مشكلة عمل المسؤولون في لبنان على معالجتها سريعاً.
وحين يعمد لاعب الى التعاطي بطريقة مخزية مع المدرب جيانيني لا تليق بالطرفين لمجرد عدم مشاركته في المباراة من بدايتها، حتى لو عاد واعتذر لاحقاً، فهذا يدل على عقلية بعض هؤلاء اللاعبين، علماً بأنه لدى دخوله بدا متواضع المستوى وخسر أكثر من ست كرات، قبل أن يدخل تدريجياً في الأجواء من دون نتيجة.
وحين يتحدث لاعب آخر بطريقة سلبية عن مدربه خلال سير المباراة ومن على مقاعد الاحتياط لمجرد أنه لم يشارك في المباراة، فهذا أيضاًَ يدل على هواية بعض اللاعبين. والأنكى أن هذا اللاعب عاد وأخذ فرصته في اللقاء مع إيران، لكنه كان ضيف شرف شأنه شأن زميله، فلعب الاثنان وسط حالة من الضياع، وأثبتا أنهما لا يمكنهما أن يذهبا أبعد من الدوري اللبناني.
ولا يمكن نسيان اللاعب الذي احترف قبل أشهر، وبدأ يتصرف بأنه «ختم القرآن» كروياً، فتلاعب بمشاعر مئات آلاف اللبنانيين غير آبه سوى بتسجيل هدف شخصي، حتى لو اضطر الى المراوغة من أقصى الملعب الى أقصاه، وزملاؤه ينتظرون أن «يتحنن» عليهم ويمرر لهم الكرة. ولمعرفة مدى «احترافية» اللاعب وعقليته المتطورة، يمكن متابع الوقت الضائع من لقاء لبنان والكويت إياباً ومشاهدة ما قام به هذا اللاعب في وقت كان فيه الكل يبحث عن نصف فرصة للتسجيل، وسط انهيار اللاعبين الكويتيين بدنياً، لكن «اللاعب المحترف» أصرّ على عبارة «إما أنا أسجل أو لا أحد» (كل هذا يحصل وجيانيني متفرجاً).
هي مجموعة محطات عاشها جيانيني والمسؤولون في المنتخب في الفترة الأخيرة. قد يكون المدرب الإيطالي أخطأ ولم يحسن قراءة المباريات، لكن في الوقت عينه خُذل من مجموعة لاعبين راهن عليهم فلم يكونوا على مستوى الرهان، وقد تكون هناك مساءلة للقيّمين على المنتخب إدارياً حول طريقة تعاطيهم مع هذه الأحداث وطريقة معالجتها في المستقبل.
تطور الكرة اللبنانية لا يمكن أن يحصل بهذه الطريقة، وعلى المسؤولين اعادة النظر بشكل جذري، فنحن قد نتأهل الى كأس آسيا، لكن حقيقةً لا نستحق هذا التأهل. فهناك أمور كثيرة يجب أن تحضر قبل أن نكون من النخبة الآسيوية. والعمل الجبار يمكن أن يكون في مكان آخر أكثر فائدة، وهو لا يبتعد كثيراً عن منتخب لبنان، لكن في فئات أخرى.




الكل موجود

صورة منتخب لبنان في المباريات الثلاث كانت متواضعة ما خلا بعض الفترات. وهذا أمر مرفوض في ظل حضور عدد من اللاعبين الذين لم يكونوا موجودين سابقاً وتحديداً في الفترة الأخيرة، كالقائد رضا عنتر والمدافع محمد علي خان الذي يعتبر من المحطات المضيئة في الفترة السابقة والمكسب الأساسي للبنان، والمهاجمين سوني سعد ومحمد غدار.