ليست العبودية والقهر بأفظع وجوههما اللذين تمارسهما قطر مقتصران على العمال الأجانب من شرق آسيا، هؤلاء الذين قدموا إلى الامارة الرابضة فوق آبار لا تنضب من الذهب الأسود بحثاً عن لقمة عيش كريمة من خلال ورش بناء ملاعب بطولة كأس العالم لكرة القدم «الاصطناعية» في 2022، بل إن لاعبي كرة القدم الأجانب في الأندية القطرية يعامَلون معاملة الرقيق أيضاً.
في قطر التي، بخلاف فوزها بحقوق استضافة المونديال بعد 9 سنوات الذي ترتسم حوله شكوك كبيرة وعلامات استفهام وفضائح بالجملة، ادعت يوماً أنها تمتلك أهم دوري للمحترفين في آسيا والعالم العربي وجذبت اليه نجوم الكرة العالميين، فإذا بها تقدم لنا عينة واضحة لمدى احترافها واحترامها لادنى حقوق هؤلاء اللاعبين الوافدين الى اراضيها.
قصة اللاعب الفرنسي من أصل جزائري، زاهر بلونيس، تبدو مثالاً ساطعاً لـ«كرم» أهل هذه الإمارة و«درساً» للعالم، الذي تبذل قطر مهجة نفطها لاستقباله وادهاشه في مونديال 2022، في العلاقات الانسانية. بلونيس هو عينة من عينات الاحتراف في كرة القدم بنسخته القطرية.
نعم صدقوا أن لقطر برنامجاً احترافياً تتفرد به عن العالم. في بنود هذا الاحتراف يصبح للنادي (الجيش القطري) الحق في أن يقطع الراتب عن اللاعب الأجنبي لمجرد انه اختلف في الرأي مع مسؤوليه، لمجرد أنه رفع ناظريه في وجوههم، لمجرد أنه حاول أن يتنفس مثله مثل باقي قاطني هذه الامارة من حاملي الجواز السفر القطري.
تخيلوا أنه في برنامج قطر الاحترافي في كرة القدم يحق للنادي، بصفته كفيلاً، أن يمنع اللاعب من العودة الى بلاده. أن يصبح المظلوم قانعاً وراضياً بنصيبه مما لقيه في الامارة ويقرر العودة الى وطنه دون أن يُسمح له بذلك، فهذا ما ترونه في نظام الاحتراف القطري!
قصة بلونيس تدمي القلب حقاً. الرجل أخذ شهرة عالمية لا لنجوميته كلاعب كرة، بل بسبب إشفاق العالم عليه في قضيته. بلونيس لا ينفك كل يوم ينقل معاناته عبر الاعلام الى العالم. من قلب زنزانته الكبيرة في غياهب الدوحة يناشد بلونيس العالم. ينقل لهم واقع حاله بأنه لم يقبض مرتبه منذ عامين، بأنه محروم من تذكرة سفر للخروج من سجنه، بأنه ينام مع طفلتيه على الأرض بعدما أُوهم من أهل الامارة بأن مشكلته قد سويت، فما كان منه الا ان باع اثاث «زنزانته»، بأنه يختنق ويموت ببطء عندما ينظر في وجه ابنتيه.
حتى اللحظة، يبدو بلونيس وحيداً في هذا العالم. وزارة الخارجية الفرنسية وسفارتها في قطر لم تفعل شيئاً حتى الآن. الاتحاد الدولي لكرة القدم «سحب يده» من الموضوع باعتبار أن قضية بلونيس مُحالة على القضاء القطري وليس على محكمة التحكيم الرياضي. اما محاولات الصحف العالمية بالاضاءة على هذه القضية، فلم تؤت أكلها، ذلك أن القطريين قد اداروا لها آذانهم الصمّاء منذ البداية.
أول من أمس، وصل الأمر ببلونيس إلى أن يبعث برسالتين الى مواطنه وذي الأصول الجزائرية مثله، النجم السابق زين الدين زيدان، والاسباني جوسيب غوارديولا، مدرب بايرن ميونيخ الألماني، بما لهما من «مونة» على القطريين باعتبارهما سفيرين لمونديال قطر، شارحاً لهما قصته المؤثرة في الامارة وطالباً منهما انقاذه وأسرته، كما اوردت صحيفة «فرانس فوتبول».
الكرة الآن اذاً في ملعب زيدان وغوارديولا. رياضيان يُعتبران مثالاً للأخلاق العالية والتواضع واللطف داخل الملعب وخارجه. فهل ينجحان في استرجاع الكرامة الانسانية التي سلب منها هذا اللاعب المظلوم في قطر، قبل تأشيرة خروجه من سجنها؟




إحباط كبير

يعبّر زاهر بلونيس في حديث سابق مع صحيفة «ذا إنديبندنت» البريطانية عن شعوره الكبير بالإحباط جراء ما يلقاه من معاملة في قطر، حيث يقول بحسرة: «لقد خسرت كل شيء. الآن أريد العودة الى بلدي. أعطوني حريّتي».