أبو ظبي - قد لا يكون بطل العالم سيباستيان فيتيل الاكثر شعبية في عالم سباقات سيارات الفورمولا 1 او حتى الاسرع، لكنه بكل بساطة السائق الافضل.


بالتأكيد تعيش سباقات الفئة الاولى فترة استثنائية على صعيد وفرة السائقين الموهوبين فيها، فهناك الاسباني فرناندو الونسو الذي يمكنه حتى جعل عربة التبضع في السوبر ماركت سريعة، اذ معلوم عنه طريقة مقاربته الممتازة لأي سباق واخراج الافضل من السيارة التي يجلس خلف مقودها. وهناك البريطاني لويس هاميلتون الذي لا يمكن الجدال حول سرعته، فهو برأي محبيه وكارهيه سهم بكل ما للكلمة من معنى. اضف الى البطلين المذكورين بطلاً آخر للعالم هو الفنلندي كيمي رايكونن، الذي ولد ليكون بطلاً، فهو ابتعد عن الفورمولا 1 ثم عاد اليها وكأنه لم يغب ابداً. وتطول اللائحة لتشمل سائقين قد نراهم ابطالاً ايضاً في المستقبل، امثال الالماني نيكو هالكنبرغ وغيره...
وبالتأكيد ايضاً ان الكثير من محبي هؤلاء الابطال المذكورين لا يهضمون فيتيل على الاطلاق، فصافرات الاستهجان التي سمعها وهو يحتفل على اعلى منصة التتويج في سباق سنغافورة، بدأت تنتشر ولو ليس بالشكل عينه بل عبر آراء المحازبين للسائقين الآخرين الذين قضى «سيب» عليهم من دون ان يرفّ له جفن.
هناك في حلبة مرسى ياس يتجمع عددٌ من الشبان وهم يرتدون قمصاناً حمراء عليها شعار فريق فيراري الذي يملك «عالماً» (فيراري وورلد) في العاصمة الاماراتية أبو ظبي. الواضح ان هؤلاء الشبان ليسوا من مشجعي فيتيل او فريقه «ريد بُل رينو»، وهو امر ليس مفاجئاً بالنظر الى الشعبية الجارفة لحظيرة «الحصان الجامح» في العالم العربي. لكن المفاجأة تكون عندما يهبّ الشاب احمد عامر الى القول بأن فيتيل هو ضرر للفورمولا 1 «اذ ان سيطرته المطلقة اوصلتنا الى مجرد جولة في ابو ظبي، في الوقت الذي كنا ننتظر فيه ان يتصارع السائقون على اللقب هنا في مرسى ياس».
ويوافقه رفيقه عمر غانم القادم من الكويت خصيصاً لحضور السباق، لكن مقاربته لرأيه في فيتيل تأتي من زاوية اخرى، اذ يعتبر «ان موهبة الالماني لا يمكن مقارنتها بتلك التي يملكها ألونسو، لكن سرّه في سيارته التي تمنحه افضلية على منافسيه».
الا ان رأي الشابين المتحمّسَين للفورمولا 1 دونها كرة القدم بعكس غالبية الشبان من سنّهم في الخليج العربي، قد لا يكون دقيقاً بالنسبة الى خبيرٍ تقني دأب على متابعة بطولة الفئة الاولى منذ اكثر من 20 عاماً ويعمل مستشاراً لفرقٍ مختلفة في بطولات رياضة المحركات، اذ يقول: «الاكيد ان فيتيل لا يحبّ تلك الصافرات المنتقدة، لكن هذه الامور لا تنفع معه لانه بكل ببساطة يملك اصراراً على الفوز لم اشاهده عند بطلٍ آخر وحتى مواطنه ميكايل شوماخر».
وهذا الكلام فيه الكثير من الصحة، اذ لا يمكن نسيان تجاهل فيتيل لأوامر فريقه في جائزة ماليزيا، متخطياً زميله الاوسترالي مارك ويبر ليحرز الفوز، ويخرج مبرراً: «كنت أسابق، كنت الاسرع، تخطيته وفزت».
كلامٌ حازم من شاب متحمس، ويكفي ان تكون جنسيته المانية ليظهر بهذا الاصرار والجبروت على الحلبات حيث يواصل تحطيم الارقام القياسية، اذ بعدما كان اصغر سائق يحصد النقاط ثم الفوز، بات الاصغر (25 عاماً) بين ابطال العالم الذي يصل الى لقبه الرابع، ما دفع البعض يشعر بخطره على رقم «الاسطورة» شوماخر بطل العالم سبع مرات.
وهذه المسألة لا يحبذها ابداً متابعو الفورمولا 1 في فترة التسعينيات وتحديداً عشاق «شومي» الذين يرفضون حتى الفكرة جملة وتفصيلاً، اذ يقول الشاب اللبناني شادي حبيب: «انها مزحة بالتأكيد. احب السائقين الالمان، لكن لا يمكن تشبيه احد بشوماخر او مجرد التفكير بنسخ انجازه، سيبقى الاعظم الى الأبد». ويختم: «لقد قالوا ان الونسو سيفعلها عندما فاز بلقبين، لكن اين هو الآن؟ ظاهرة فيتيل ستنتهي عاجلاً أو آجلاً».
لكن وفي جولة على اشخاصٍ حاضرين وهم من اعمارٍ اخرى، اقل سنّاً تحديداً، يتفق هؤلاء على انهم محظوظون الى درجةٍ كبيرة لانهم يشهدون على «اسطورة» اسمها فيتيل، اذ يوماً ما سيقولون «نحن عشنا في زمنٍ كان فيه فيتيل يخطّ الانجازات وينصّب نفسه الاعظم على الاطلاق». ويضيف احدهم متسائلاً: «هل بالحظ فقط او بالسيارة القوية فقط احرز اربع بطولات متتالية؟ أين المنطق في هذه الاقوال؟».
وفي موازاة عدم امكان اسقاط كل هذه الآراء، وخصوصاً تلك القائلة بأن افضلية فيتيل تأتي من تفوّق سيارته على سيارات سائقي الفرق الاخرى، فان الامر الملموس هو ان كارهي فيتيل في ابو ظبي قد يوازون بأعدادهم اولئك القادمين لتشجيعه والاحتفال معه بنصرٍ آخر.
لكن غاب عن بال كثيرين ان فيتيل يفترض ان يحترم على ما يقوم به في هذه السن الصغيرة وقبل وصوله الى سن النضج، حيث يُقال ان سائقي الفورمولا 1 يصلون الى ذروة عطائهم عند عتبة الثلاثين انطلاقاً من ارتفاع معدل تركيزهم، لذا فان امام «بايبي شومي» الكثير ليعطيه في السنوات المقبلة وحتى بلوغه العقد الثالث من العمر.
اما التحدي الاكبر بالنسبة اليه فهو تذويب ارقام شوماخر واخفاؤها، اذ بالنسبة اليه والى مشجعيه هو ليس مضطراً لاثبات نفسه عبر الانتقال الى فريقٍ اقل قدرة من «ريد بُل رينو»، فهو بطبيعته رجل فائز، وكل ما يفعله صحيح لان بكل بساطة الفوز بالسباقات ليس امراً معيباً او فيه خطأ كما يردد البعض الآن حول تقلّص شعبية الفورمولا 1 بفعل اختفاء المنافسة بين فيتيل وباقي السائقين.
هنا في أبو ظبي كَثُر المناوئون لفيتيل، لكنهم من دون شك وفي قرارة انفسهم ينتظرون رؤية الشاب الاشقر يشقّ طريقه على منعطفات حلبة «مرسى ياس» نحو تخطي منافسيه. هم يريدون معرفة حقيقة تلك السرعة الخرافية التي شهدت عليها الحلبات الاخرى خلال بطولة العالم في الموسم الحالي. هم يريدون ان يقولوا يوماً لأولادهم واحفادهم: «لقد شاهدنا يوماً سيباستيان فيتيل وهو يقود سيارته نحو الفوز في احد سباقات الفورمولا 1. انه فعلاً سائق عظيم»... ولا يمكن احداًً ان ينتزع منه هذه الصفة.